Friday, April 10, 2015

الصغيرة التي بمقاس قلبي








كل الأشياء التي أحبها ، كل البشر والكتب ومشاهد السينما ،وذكرياتي الكثيرة من الفرح واللقطات الحلوة والمشي لساعات طويلة في الشوارع تحت شمس تحبني وأحبها ، فناجين القهوة ، كل ما يبهجني ، كل المفاجآت التي صنعها لي من أحب ، كل الهدايا التي تزين جدران روحي ، كل الأحبة والأصدقاء والأهل يملئون قطعا من قلبي .
لكنها وحدها تملك قلبي كله ، فأتسلل من فراشي ليلا وأقف أمام سريرها الصغير الذي تدور فوقه نجوم وقلوب يتدلى منها   " أسد وزرافة ودبدوب وقرد " ويغزفن لحن يليق على ابتسامتها الصغيرة  .
أحيانا استيقظ قبلها بثوان في اي وقت من الليل ، فأعرف بحدث اختبرته حديثا  هو " قلب الأم" انها ستفتح عينها حالا وتبدأ في بكاء متقطع بحثا عن طعامها ، ربما أنهض من نصف نومي مغمضة العينين فاذهب نحوها لأغير الحفاض في اللحظة المناسبة تماما ، وابتسم لنفسي كيف عرفت انها تحتاج لذلك الآن .
" يسر" التي اهدتني الأمومة ، فعرفت ان كل ما كان قبلها لاشئ ، وأن أكثر لحظاتي صدقا وتجسدا في هذا العالم كانت لحظة مجيئها .. كنت خائفة حد الموت ، أنا التي ترهبني شكة الإبرة ورائحة المستشفيات  ، حاولت ان استجمع شجاعتي وآخذت نفسا عميقا وأخفيت بيدي نصف وجهي بينما يتحرك السرير نحو حجرة العمليات ، كنت اشعر بالدموع تحاول أن تطفر من عيني كنت أقاومها لم ارد أن يراني أبي ومحمد وكل من حضر ذلك اليوم وأنا أبكي قبل دخولي للعمليات .
كنت اقاوم البكاء وعندما اختفوا جميعا من امامي بكيت ، حتى سمعت صوت طبيب التخدير يطلب مني التوقف حتى لا يؤثر ذلك على ضغطي المضطرب أصلا .
تأخرت الصغيرة في الوصول لحجرتي ، وصلت قبلها وقالي لي الجميع أنها حلوة ، محمد وحده جاء جواري وقال لي انها تشبه " حلا " فابتسمت
حلا هي ابنة عمي الأصغر والأحلى في بنات العائلة الصغار ، وكانت فعلا تشبها كثيرا ، يتغير شكلها كل يوم ، أيام أشعر انها نسخة صغيرة من محمد بحركة فمها واستدارت وجهها ، ألمح فيها الأشياء التي أحبها فيه ، وأشم رائحة جسده .
يسر التي أخذت معصم أمي المكتنز الرقيق ، وحركات يدي ، وعيوني .
يسر التي يقول أبوها انها تشبه جدته التي يحبها كثيرا ، وأن رائحتها تشبه رائحة جسدي ، وأنها طفلة لها مذاق الفرح والعيد .
يسر التي فاجئتنا ابتسامتها منذ أيام ، ونظرات تخصنا بها بعدما كانت منذ ولادتها تتامل الحجرة وتحدق ناحية ملائكتها وتبكي .
تعلمت أخيرا ان تبتسم وتنظر ، قلبي الذي يذوب مثل قطعة المرشملو وأنا احتضنها في الصباح ، الفرح الطفولي الذي اشعر به وانا أحملها في الشارع عندما نخرج معا ، أشعر بزهو لم أشعر به في حياتي ، اود ان أخبر كل من اصادف ان تلك الحلوة الصغيرة تخصني ، وأنها لي يمكنني الإحتفاظ بها كل ساعات النهار والليل .

عندما أخرج بها ، أراقب نظرات الناس ، ابتسم لفكرة أنهم يعرفون أني أم لطفلة .. وعندما أهاتف أصدقائي واتحدث مع الجميع أتعمد ان اناديهم باسماء ابناءهم ليردون لي النداء ويقولون " أم يسر" كم هو عذب وملائكي أن أكون أم .
أفكر ما الذي كنت أفوته طوال السنوات الماضية ، واي متعة يمكن أن تضاهي ان اغني لها واحممها وأختار لها الملابس وأطعمها ثم أخفيها في حضني .
عندما تخرج مع أبيها للتطعيم أو لأي مكان اتحسس بطني واشعر أنها لازلت بالداخل ، لا يمكن أن تغيب عن إحساسي بها ابدا انها هنا راقدة جوار قلبي ، هي التي تملك كل قلبي . مثلما سكنت أحلامي منذ سنوات بعيدة .
هي الصغيرة التي تخصني ، والتي جاءت تماما بمقاس روحي  .


Wednesday, January 21, 2015

جسدك خارج الماء



عبرت الكلمات الخمسين ذهني عدة مرات ، شكلت بعض العبارات ، كانت عبارات مغرية ورنانة .. غالبا ما احتاج لعشر كلمات وجملة واحدة مثل تلك لأبدأ نصا مراوغا لا أعرف أين ينتهي ولا لأين سيقودني جنونه ، لكني انزلق في حفرة أليس واستمتع بخفق قلبي مع السقوط ، ذلك السقوط السريع المدوي نحو المجهول حتى ينقذني غالبا نص مهترأ يقف على الحافة بين ما حدث وما لم يحدث مطلقا .
المفتتح الأول راودني بعد ساعات قليلة من خروجي من غرفة العمليات ، في المرة الأولى التي اعتدل فيها للجلوس ويباغتني الدوار لكني أمتلئ برغبة الدق على الأرض والمضي عبر طرقة المستشفى ذات الجدران الوردية ..دور الولادة والطوارئ جدرانها وردية ، ودور الأورام جدرانه خضراء .. لا أعرف كيف تبدو بقية الأدوار لكن حتما هناك جدران زرقاء ولافتات بيضاء مكتوب عليها عبارات في أغلب الأوقات مرعبة لمن لديه " فوبيا مستشفيات " مثلي .
أنا الهشة مثل قطعة كرواسون خرجت من الفرن وبقت للأبد ، دلالة تاريخية على هزيمة الغزاة . القوية مثل حلم يوشك أن يرى النور .
بدى المفتتح الاول مبشرا بنص جيد ، تدفقت أفكاره لكن حالتي الصحية والألم الذي كان يتجول على راحته في جسدي وشغفي بالصغيرة التي تبكي مثل بطة تجرب العوم للمرة الاولى أو مثل وحش صغير يسأل عن ميعاد وجبته .
كان على المفتتح ان يتراجع قليلا في جانب عقلي لكن الأفكار ظلت تتدفق حتى أني بحثت للحظة عن لوحة المفاتيح قبل أن استسلم للصمت من جديد.
في المرة الأولى التي لمست لوحة المفاتيح كتبت الجملة الاولى وحدها – كل هذا الألم ! كل هذا الجمال ! – ثم عاودت صمتي ودوراني في زخم ضوضاء ذاتي ومخاوفي التي بدت عميقة ومحفورة في القلب ، فكرت فيما بعد في جملة احبها لنزار قباني كنت أكتبها كثيرا في كراسات المحاضرات أيام الجامعة مع المزيد من أبيات الشعر كانت الكلمات " لن تتعمدي إمرأة وجسدك خارج الماء "
ظهرت الجملة أمامي وكان لديّ متسع من الوقت والأرق وصوت الصغيرة ونوبات الألم والحزن والفرح والإرتباك لأفكر ، كان لديّ وسط كل الفوضى كل البراح لأفكر .. ما الذي يمكن أن يعمد الفتاة التي في قلبي إمرأة !
وبدى لديّ الماء وقتها غير موفق ، ربما تعمد الدماء النساء .
تبدو الدماء اكثر واقعية ، خطوط الدماء التي تسيل من الجسد والروح هي ما تمنح صكوك العبور .
طالما ابهجتني وأفزعتني تلك الدماء التي اقصدها ، والتي يمنعني كوني أم لصغيرة جاءت للعالم منذ أيام قليلة أن أتمادي في شرحها ، لأستمتع قليلة بدوري كأم محافظة لا تنعت الأشياء بأسماءها الصحيحة ولا تسب الوقائع بما يصفها تماما لأن صغيرة تجلس بالقرب من قلبي تسترق السمع ، وتتعلم وتعلمني معها ضبط دقة قلوبنا معا .
أقول لأبيها ذلك منذ أيام لا تستخدم ألفاظا خارجة في حديثك هناك آنسة صغيرة في البيت .. لكني اشفق عليها من الدماء التي ستعمدها بالغة ، ثم إمرأة تخص رجل ستختاره غالبا لأنها عرفت منذ اللحظة الأولى التي تلاقت فيها عيونهما أن حكاية ستكون بينهما ، رجل سيحنو عليها وسيصلا معا لصيغة تفاهم ومحبة عميقة يثقلها الوقت وإختبار الحياة والثقة في أن احدهم يمسك بيدها وتتكأ هي عليه جيدا
ربما ستفعل ذلك بعد ان تكسر قلبها عدة مرات ، وربما بعد أن تكسر وتحرق معه نصف السفن والأواني وتابلوهات البيت .
ثم يعيدا على مهل بناء كل شئ ، ربما ستحفظ وعدها له كما فعلت أمها في السابق بألا تكتب أبدا عن دماء البدايات .
وستحتفظ أيضا لنفسها بصورة طفلتها الغارقة في الصراخ والماء والدماء وهي تضرب بيدها الهواء وتجرب العالم الخارجي لأول مرة .
ربما ستحتفظ بنص غامض عن كل الدماء وكل العتبات التي تعمدها إمرأة ، وتنكر مثل امها ان يكون الماء هو بوابة العبور .
ربما ستفعل كل ذلك ، او تفعل امورا أخرى لا تشغلني الآن لأني أعرف أن فطرتها ستدلها ، هي الصغيرة التي بدات من تعويذة قديمة همست بها جدتها في ليلة باردة في مستشفى بعيد وقاس قبل أيام من غيابها ، تعويذة حفظتها في قلبي حتى تجسدت بين يدي ، طفلة عذبة لا يمكنني التوقف عن النظر لها وضمها حتى أتأكد انها حقيقية ، طفلتي التي ساعدتني خانة الأم في شهادة ميلادها  ، والكثير من الألم في مكان الجراحة ، وقلبي الذي تملأه ودموعي التي تسيل كلما تألمت أو عجزت عن جعلها تتوقف عن البكاء كأم ساذجة ، طفلتي التي ساعدني كل ذلك ان اصدق أنها تعويذتي الصغيرة التي جاءت من عالم الحكايات لتنصب كوخا وتشعل الحطب فيجئ الدفء ورائحة الطعام وصوت المحبة ،  ليغمر الرضا العالم ، وتخفت حدة الحزن في قلبي ، ويرتق وجودها هوة الفقد الكبيرة في روحي .
فأعرف أني ربما سأبقى تلك الفتاة الصغيرة التي تعبر بوابة عالم النساء وتشتري الحكايات وتبيعها ، وتفكر ان الدماء وحدها تبدو ملائمة لمقايضة التعاويذ
والحكايات .


Tuesday, November 18, 2014

مثل شتاء قديم




الفوضى المحببة التي تمتلأ بها روحي ، رائحة شتاء قديم ، وبرودة خافتة تسري من قلبي للعالم .. ملابس صغيرة مثل أحلامي يمتلأ بها المكان في إنتظار الوافدة الصغيرة ، يدي التي تتحسس أشيائها فيهاجمني شجن لا يحتمله قلبي .
الدموع التي تسيل أسهل لأن شيئا غامضا يعصر روحي ، ذلك المزيج بين الحزن والخوف والإنتظار وربما الكثير من الفرح الغارق في ألوان الشجن الكثيفة فلا يظهر منه  وسط الخليط إلا قطعا حمراء صغيرة تشبه حبات الفراولة التي تسافر في شلال من الحليب الأبيض ، الذي صار لونه وسيرته تسبب لي غثيانا ، لأن الكالسيوم الذي كان علىّ أن اتعرض له طوال الشهور الماضية قضى على علاقتي المحببة بالحليب لسنوات كثيرة قادمة .انا التي أزداد هشاشة ، فتتقضم  كلماتي على أعتاب الورق ، وينغرس صوتي في شوكة ضخمة معدة لتمشيط الأرض الخراب ، لكني استخدمتها مؤخرا لتقليب المكرونة الإسباجيتي في الإناء الكبير ، وتوزيعها على الصغار .انا التي أتكأ على المحبة وأمضي ، وأفكر انها ستحميني من الجنون عاما آخر .. وأن أثنان وثلاثون إبرة طبية محملة بالسائل الزيتي الأحمر كانت كافية للشهور الثلاثة الماضية لتخبرني أن طفلتي العنيدة المتشبثة ستكون ساحرة جديدة ، وستكرر كل ما كففت أنا عن الإيمان به .هي التي تحركت في أحشائي بفرح وزهو كما لم تفعل أبدا عندما سمعت صوت مدحت صالح يغني لها " ثلاث سلامات " وسط دهشتي لم أستطع أن أمنع نفسي من التجاوب معها والهمس لها " اصبري لما تسمعيها بصوت قنديل "هي التي عادت للحركة والنقر من الداخل بما يشبه نقرات الآلة الكاتبة التي أحبها ، وربما صوت لوحة مفاتيح ، وربما فقط بصوت انامها الصغيرة وهي تخربش في الداخل لتخبرني أنها سعيدة ، تفعل ذلك كلما مررت لها قطعة من الشيكولاته أو فصا من البرتقال  او قطعة من الجوافة – فاكهة النساء الأكثر جمالا- ..
الصغيرة التي تحب هذه الأشياء نقرت كثيرا بشكل ضبط ايقاع قلبي مع نقراتها عندما سمعت لاول مرة أغنية " عم بطاطا " لعلي الحجار .. بدأت الحركة مع الموسيقى وعندما قال " عم بطاطا ينط النطة يعبر سينا ويفتح عكا " كانت قد وصلت لقمة الاستمتاع .بقلب يرتجف ، وفم مفتوح من الدهشة كنت اراقب ما تفعله في الداخل ، وأخيرا استسلمت لانها ستحب الموسيقى وستتذوق الجمال .وربما سيكون لها قدرا يشبه هؤلاء الممسوسين بالمحبة ..بالفوضى المحببة التي تملأ روحي  ، وبشتاء قديم يشبه جدتي التي غابت ، وبقى منها في ذاكرتي صوت وشيش البخار في صباحات الشتاء البعيدة وصوتها العذب وهي تغني موالا شعبيا عن الحزن وحضن يشبه تماما حضن أمي الذي يتلقفني دائما ويخفيني من البرد في الشتاء ، ومن الحزن الذي لا ينتهي .بالفوضى المحببة التي تملا روحي ، وبشجن يمر من قلبي للعالم أتكأ على المحبة وأشياء الصغيرة التي تملأ المكان حولي وأمضي . 

Wednesday, August 13, 2014

خطوط بيضاء وصمت





تتجسد لي الكتابة هذه الأيام " كملاك حارس" ، تمضي جواري ، وتمسح عن روحي القلق ، وتخفف من حدة الحزن ، والدموع التي تنساب أسهل ، والحنين والفقد الذي ينمو بشراهة ، فلا يسعني إلا ان أتحسس قلبي وأجلس في صمت ، أعد مرات التنفس المنتظم وأحاول تجاوز نوبات الوجع .
أفكر ما الذي يجعل الحزن يخرج من تابوته " صندوق الحكايات " الذي أغلقته بقوة وعناية على كل ما اوجعني ، كيف يجعلني رحيل أمي القديم الذي كان منذ تسع سنوات أستيقظ في الليل لأتذكر ابتسامتها ، وكيف تفك علبة دواء تشبه ما كانت تتناوله غزل الأيام المنيع بيني وبين الذكريات .
أمر أمام المباني  والشوارع فأتذكر كل الراحلين ، وتتسع هوة الموت والفقد في قلبي ..
أفكر أن مشاهد الحرائق في مسلسلات رمضان كانت اكثر من الازم لدرجة تجعل القليل من الحزن محرضين للوقوف فوق سحابة تمر مصادفة جوار شرفتي  أمسك  بيد زجاجة من الكوكاكولا التي تمنعها عني الطبيبة فلا يتبقى لي غير أن اغنى لها اغنية الإعلان الذي هاجمه الكثيرون وأحببته أنا واحتفظت به في سلة الحكايات " ليحيي" قطعة الحلوى الأجمل التي ستجئ للعالم أو ربما للبنت التي أنتظرتها روحي أكثر من الازم وخططت للعب معها ومشاطرتها اللعب مع إيلي وعجوة وبيلا العرائس التي احبها واسحبها للفراش كثيرا في غفلة من محمد الذي ما ان ينتبه حتى تبتسم العرائس ابتسامة خجل وتنسحب من الفراش عائدة للحجرة الأخرى وهي تقول لي " اشوفك الصبح" .
امسك بيد زجاجة الكولا وباليد الأخرى شعلة كتلك التي يمسكها " أنديانا جونز " في مغامرة له مع مومياء ما .اسكبهما معا وأشعل النار في السحابة ، لتتحول لبخار وأقع من فوقها  لكني بدلا من الصراخ والخوف ، سينبت لي جناحان للطيران ، سأرتبك قليلا لكني في النهاية سأفضل العودة للأرض لأني لم أعد بعد الأرز الأحمر لوجبة السمك .
السمك الذي تقول الطبيبة أنه مفيد للذين يحملون قطعا من الحلوى في أحشائهم .. انا التي تحب السمك تأكله قليلا جدا منذ قالت الطبيبة ذلك .
لأنه في الحلم تزورني كل سمكاتي البرتقالية " افتقد سمكتي كانون " التي كانت هدية زواج اهداها لي محمد بعد يومين من زواجنا ، اتذكر أنها وجدت في الدورق ميتة ومقلوبة على ضهرها مثل كل الأسماك الخمسين الأخرى التي حصلت عليها  منذ احببت أن يكون لدي سمكة برتقالي .
دائما برتقالي من نوع الفانتيل ، ودائما واحدة .
ودائما تكون نهايتها جملة غير مكتوبة " وجدت ميتة ومقلوبة على ضهرها في الدورق ".
في المرة الأولى التي سألتني ملك عن سمكة كانت قد قلبت على ضهرها حديثا ، خشيت على براءتها من فكرة الموت كنا في رمضان منذ ثلاث سنوات ، أخبرتها ان السمكة غادرت لتزور امها وستعود بعد العيد . سألتني بخبث وذكاء "عن كيفية خروجها من الدورق " ! استعنت بسيناريو فيلم " نيمو " واخبرتها ان السمكة غادرت من الحمام وذهبت معها لهناك وفتحت صنبور الحوض وأشرت لفتحة الحوض وقلت لها غادرت من هناك وستعود في تاكسي بعد العيد .
بعد ايام جاءت ملك ووقفت مرة اخرى امام الدورق الفارغ ، ونظرت له بتأمل ثم قالت لي " ان السمكة لما تذهب لمامتها كما قلت ولكنها ماتت "
الموت الذي يعرفه الأطفال ، وأخاف أنا اوجاع فراقه .
زار جارة أبي ، السيدة البشوش العجوز التي تشي بجمال في شبابها لا يخطأه احد ، افترقت عن زوجها بعد زواج دام اربعين عاما ، غادرت بيته منذ شهور ، وجاءت للسكن في الشقة التي أمام بيت ابي .
كنت أحبها واراها تصلح للكتابة ، وكان أبي يعتنى بها ، ويحكي لي كلما زرته قطع بازل من ما قصته له عندما صادفها على السلم .
الجارة التي لم تنجب وتسميها الجارات " أم أحمد " اختفت من البيت منذ أسبوع ، ذهبت مع أخيها للمستشفى وجاء اخوها في صباح يوم جمعه ووضع ورقة عليها الدباجة ذاتها " وجدت في قاع الدورق مقلوبة على ضهرها ، أقصد أنتقلت الحاجة أم أحمد للرفيق الأعلى "
فكرت من اين نسب لها اسم أحمد وهي التي لم تنجب !
لكني احتفظت بباب بيتها جدارا جديدا سأقف عنده كلما وقعت عيني عليه لأقف لحظة واتحسس القطعة التي تؤلمني في روحي .  
بينما تمد لي الكتابة يدها كأي ملاك حارس ، وتأخذني في حضنها العظمي البارد وتهمس لي ان أكتب المزيد من الحكايات ربما أقاوم ذلك الموت الذي يئن في أعماق روحي ويتردد صداه في كل الليالي الساكنة كشاشة السينما بعد نهاية الفيلم .
الفيلم الذي أختار مؤخرا ان يكون عربي وكوميدي وسخيف ، لكي يزيح من عقلي فيلم المخرج الأسباني "  بدروا ألمودوفار" الذي جعل بطله يقف في نهاية فيلمه " القناع الذي أعيش داخله " يرتجف أمام أمه قائلا لها " اضطررت لقتل اتنين كي أعود اليك "
بينما قلت لنفسي اني وقعت في الفخ مرة ثانية مع هذا المخرج بعد فيلم " تحدث إليها " – كان الفيلم هذه المرة قاس وحزين أيضا .. الحياة تتحرك فيه وانت على الجانب الاخر من الشاشة لا يسعك سوى الصمت . تترك انطونيو باندريس يستعمل مشطره في التقطيع والتجميع ويصنع جلد بشري من دماء الخنازير ، ولا يفوتك كلما عبرت الكاميرا على ملامحه أن تفكر في الزمن الذي يسلبنا الشباب .
الزمن الذي يمنحنا ذكريات اختبرها كثيرا من مروا بهذا العالم قبلنا ، كأن يكون لدينا ذكريات عن ممثل كوميدي رافقت افلامه الصبا والطفولة واستيقظت ذات صباح لتجده قد انتحر" فتهمس لنفسك بغصب ودهشة " روبن ويليامز "! ذهب  ولحق بألبوم الصور الذي يتضخم في  مضيفا صفحات من البشر والأماكن والحكايات ، غادرت بلا رجعة ، وتركت في ارواحنا خطوطا بيضاء وصمت . 

Wednesday, July 23, 2014

حرب السعادة والفراولة والجنون





الغريب في الأمر أن الأثر الذي تركه فيلم مثل حرب الفراولة في قلبي ، بألوانه الباهته ونضارة وجه يسرا وقتها ، وشئ في رجولة ووقاحة وابتذال محمود حميدة في هذا الدور، العدل وهو يعالج ملله من الحياة بالمتاجرة بأحلام البشر  ، صوت العود وأغنيات الفيلم وكلمات أغنية السعادة التي تذكرني بصوت مزدوج  لي ولأمي يدوي في ذاكرتي كلما دندنت بها .
الأثر الذي امتد لفيلم عفاريت الأسفلت   وفيلم الأراجوز وصوت محمد منير في تتر مسلسل أطفال قديم شاهدته وانا صغيرة  فتعلق قلبي بذلك الصوت وبقى في روحي.
العود الذي يسرق قلبي من ضلوعي والبيانو في إضاءة الأوبرا وسلالم المسرح الكبير الذي صعدتها أول مرة مع أمي .
يحيي الفخراني الذي شاهدته مثل عملاق سحري على خشبة القومي ينسج لير من العدم ، اطبق على يد امي وتهمس مقطوعة الأنفاس من الإنبهار بأداءه " شايفة الجمال" ، المشهد الذي عاد كاملا أمامي بينما ارى ذلك العملاق يعيد مشهد العاصفة في مسرحية شكسبير وسط صحراء حارقة في مسلسل عبد الرحيم كمال .
ابتسم للزمن الذي يمر ، ولذائقتي التي تشبهني 
الخبل وعتمتي المتسعة ووحدتي في حجرة كبيرة ومشمسة في بيت العائلة القديم أجلس بين الكتب للقراءة ، أو مشاهدة الأفلام أو للكتابة ..
وأشعر أني مشوشة كما لم أكن ابدا ، وأن أحلامي تزدحم هذه الأيام بحكايات لم أختبرها بعد وبشر لم أقابلهم في حياتي ، ثقب أصاب ذاكرتي فأقحمت ما تعرف على ما تتخيل ، هاجمتني شخوص روايتي التي أخاصمها ومشت وسط أحبة وأصدقاء وموتى .
سار كل شئ في عقلي ، وحاصرني صوت وصورة في النوم .
النوم الذي حاصرني لاكثر من شهر بفعل هرمونات استقرار قطعة الحلوى السحرية  في أحشائي ، استقرت  بهدوء وتركت لي النوم والغثيان والكثير من الخيالات والهلاوس .
وأنا بيئة صالحة تماما لكل الخبل والخزعبلات ... بإمكاني الآن أن أملأ كراسة صغيرة من كل ما اختبرته في احلامي وقائمة طويلة بأسماء وصفات بشر مروا في تلك الخيالات .
الحكايات التي بدات تنبت في قلبي من جديد ، فاعرف مسار البشر والأيام في الرواية ، اكتب قليلا وأتلكأ في الوصول لأن حالة التكشف التي تمارسها الحكايات تتملكني تماما .
تدخلني دائرة بين بين ، حالة أكون فيها وسيطا بين العالم بسخفه ودراما رمضان السيئة جدا وإعلانات التسول التي تملئني بخوف وغضب ، شحنة من التحدي تشبه تلك التي يتبادلها متسولوا ميدان الحصري الجالسين أمام عتبة الحاتي الشهير متربصين  بزبائنه ، ولسان حالهم يقول بغضب" لماذا لا تشتري مني حزمة نعناع بجنية وأنت اشتريت منذ قليل طعاما بمبلغ يزيد عن مائتين جنيه "، الآخر يقول لنفسه "سأدفع بمزاجي ليست إتاوة "، لا يمكنك ان تمر على ذلك الرصيف دون أن تتربص بك تلك الطاقة .  
حالة البين بين تجعلني أحكي لأبي عن أمور لم أراها بعيني لكني عرفت انها حدثت بطريقة ما ، أبي الذي يخبرني بدهشة كبيرة أن ما تخيلته حدث قبل إتصالي به بساعة .
لم اتخيل وإنما رأيت في منامي ..
أطمئن الآن أن الجنون الذي يداعب عقلي مستقر هناك ويمضي بثبات نحو التحقق ، لا بيت يسنده عود ثقاب ، وأنا أسند منافذ روحي كلها بأعواد ثقاب اشتعلت من قبل وبقت رؤسها المحترقة السوداء دليلا ملموسا على ما حدث في تلك القلعة التي يقول لي رجل أحبه أنها غامضة ، أفكر أنها متربة قليلا بفعل الزمن  .  
امسك بميزان فرعوني قديم ذلك الذي اعتادوا استخدامه في وزن القلوب في الحياة الأخرى ، ووضعه محمد ناجي على باب حارة القمر في روايته البديعة " العايقة بنت الزين " والتي انهيتها في يومين بعدما أجهزت على رواياته " الأفندي"  في يوم ونصف / محمد ناجي الذي تنز كتابته متعة ولغة حلوة وعوالم بين بين ،مما يجعل الحكايات تشبهني في هذه الفترة ، الإختلاط المقلق بين الأسطورة ومصير الشخصيات ، والجنون المتربص بالإبمان بالأساطير البعيدة وتكرارها لتصبح هوسا ملازما للشخوص ، ميزان  الفراعنه في حارة ناجي أضع عليه خيبات العمر والخسائر الفادحة وحين أخفق في حسابها أترك كل شئ هناك كما هو ، وامسك سلة من الخوص وأجمع الورد وأنا أهتدي بالنجوم وأبحث عن القمر المكتمل في السماء .
يوقظني في الصباح صوت البحر وزرقة تملأ عيني ، فأعرف اني وصلت للمنطقة التي لم يدنسها أحد من قبل أتابع برعب الطريقة التي يلمس بها البحر السماء ، كيف يختلطا ويلتهم كل منهما من روح الآخر  .
أجلس على حافة العالم ، جلستي الأثيرة ، احدق في لاشئ ، أفكر في كل ما يشغلني ويربكني ، أجرب الصمت واستمع اليه ، ثم أعرف أنني في لحظة ما ربما أنهض لأكمل بقية الحكايات .



Saturday, April 26, 2014

المحبة والتخاطر ورغيف الخبز







يبدو الأمر كما لو كنت أدور في دائرة محكمة الإغلاق من العادات والسلوك ، والرغبات الطفولية والناضجة على حد سواء فلا فرق كبير بين ألم إشتهاء قطعة شيكولاتة والتوسل لأجل قطعة كتابة حلوة والغرق في حضن حبيب .
كلها لها نفس دقات القلب ، ونفس فوران الرغبة عن الحد المسموح به داخل إناء غلي الحليب ، كلها ستجعله يطفو ويفور ، كلها ستمنح صوت تأوه الحديد الساخن و الرائحة الحلوة لإحتراق وش الحليب مما يفقدك التركيز للحظة عن مصدر الرائحة الحلوة لدرجة تشعرك بالسكر على طرف لسانك في نفس لحظة ملامسته لأنفك .
الدائرة المغلقة من العادات ، والإحتياجات الإنسانية ذاتها ، المتشابهة في قلبي ، والتي تمد شفراتها دفقات السعادة لروحي .
الحالة ذاتها التي سيضعني بها صوت منير عند الحافة ، وستمسني بها يد حبيبي ، وستربت قلبي عندما أراجع الصفحات القليلة المنجزة في روايتي التي أصابني بسببها إخفاقا صغيرا في الأيام الماضية .
الحالة نفسها من التخاطر التي ستجعل صديقة ترسل لي صورة لنا معا أو تهاتفني أخرى أو ترسل لي رسالة من جملة واحدة فيها أنها تفكر بي !
كل ذلك اعرفه جيدا وأختبرته كثيرا في علاقتي الحميمة المقربة مع صديقاتي واصدقائي ورجال وفتيات عائلتي المقربين لقلبي ، كانهم جميعا على قلب رجل واحد في روحي .
التخاطر المحبب الذي يجعلني أجلس مع صديق يفكر أن يحكي لي عن شئ وما ان يفتح فمه ليتحدث ، ابتسم لاني عرفت فيبتسم ويصمت ، في حياتي كل هذا الجمال
عندما كانت أمي على قيد الحياة كنت أشتري لها كل يوم من السوق ما تنوي طهيه أو ما تريده ، دون أن اتصل لأسألها ، ولم تكن هي تستغرب ابدا ، درجة أنها ذات يوم كان ينقصها مكون لطبخة قررت فجأة ان تعدها ، وهمت أن تتصل بي على الهاتف ثم تراجعت وقالت لنفسها اني ساعرف ، والغريب أني عرفت عرجت على البائع دون أي تفكير وأشتريت المكون وعدت للبيت .
يحدث ذلك دائما مع قطعة قلبي الصغيرة وصديقي الأقرب والأطيب " طارق" نفعل معا كل شئ وبلا إتفاق مسبق ، نمرر يدنا على نفس صنف الطعام اذا ذهبنا لمطعم ما ونشير على نفس اللون في كتالوج الألوان الخاص بأي شئ ونشتري الأثاث ذاته الذي يعجب الآخر دونما إتفاق .. وبلا تفسير يحدث ذلك مع أبي الذي أطهو له ما فكر فيه بالأمس دون ان يخبرني ، ويشتري هو لي شئ يعرف انه سيعجبني دون ان يعرف أني مررت من هنا  بالأمس وفكرت اني سأشتري هذا الشئ لو مررت من هنا مرة أخرى .  
محبتي لأصدقائي التي تجعلهم يتحركون مثل قطعه بازل في دائرة روحي ، وأعرف اني أظهر في ذاكرتهم في نفس الوقت وبنفس الطريقة .
ومحمد الذي افاجئني كثيرا هذه الايام ، وأنا ابتسم عندما افكر فيه وكأني أقابله من جديد وأقع في حبه هذه المرة بطريقة رائقة ، صحيح أنها لا تحوي مفاجاة المرة السابقة لكنها تحمل هذه المرة ثقتي في تعويذتي .
 ابتسم عندما افكر أني قررت أن اتزوجه عندما اهداني طائرة ورقية  ، وأتذكر الأشياء الغالية على قلبي التي أشتراها للبيت بسبب الكتابة .
الكتابة التي تدمع عيني بسنتمنتالية طفولية كلما رددت إسمها ، لاني أتذكر كل الفرح الذي أهدتني اياه .. دموع تشبه ما يمكن أن أبكيه على ماركيز أو احمد فؤاد نجم أو سحابة كآبة كبيرة وصم بها روحي كتاب مثل " رواية جيشا " أو مسخ كافكا " أو جمال تعلق به قلبي كما رواية العالم لمياس أو كتاب " أنا فلليني " لذلك المخرج العبقري .
قلبي الذي يحمل حبا كبيرا لدائرتي الدافئة من البشر والكتب والأفلام مثل " أسود مستعملة " أو " سمكة كبيرة " أو حتى " ماء للفيلة " وغيرها مئات الأفلام .
طقوس التبادل بيني وبين أصدقائي من الكتب والأفلام والحكايات .. مبادلتي مع محمد الكتب ، وسرقتي لكتب من مكتبته بدافع العناد أن اقرا ما يرشحه لي دون ان افعل ذلك امامه ، وطريقته هو في إختلاس كتبي بينما انا نائمة ، دون أن يحرص على إخفاء أثار فعلته .
العالم الذي أحبه وأظنه يحبني وطاقات الخير والمحبة التي يمدني بها الجميع ، والخبز الذي يشتريه محمد في اللحظة ذاتها التي أعرف أنه ينقصني .
ابتسم ببلاهة لا يلاحظها هو في سرعته للظهور أمامي ، يترك الخبز أمامي ويشير لسيارة صديقه ان يتمهل في العبور ، يلوح لي  بيده ويغادر بينما اقف في الشرفه ابتسم وافكر أن خيط المحبة والتخاطر ورغيف الخبز يمتد بيني وبين كل من احب .

Sunday, February 16, 2014

الطريقة غير المثلى للتعامل مع هذا الجزء من القلب ...





                                                                                          الصورة للفنانة  سحر عبد الله

هذا الجزء من العام  يملأ قلبي بالعاطفة ، تجتاحني مشاعر من مر عليها سنوات تطبق بيدها على دفء شعاع شمس ، وإبتسامة من القلب ، ولحظات كثيرة رائقة ، وحزن لا تنسى شفتيها مذاقه مهما اختبرت روحها الفرح .
في مثل هذه الحرارة أو المطر أو رائحة التراب تمرر لي ذاكرتي الكثير من الحكايات التي سقطت بفعل القدم والتوقف عن استهلاكها ، قصص المراهقة وحيل البنات والحب الذي كان ، والذي غادر ، والذي بقى .
فوضى الإرتباك ، وحكايات العمر كلها تبدأ من أيام كان لها نفس رائحة التراب والهواء والشمس وربما رائحة الجسد الذي منحته لي أمي وهي تغادر .. فأصبح عليّ كلما اشتقت حضنها أن أغطس بأنفي في رائحة جسدي أو رائحة الجلباب الأزرق الذي احتفظ به منذ أن خلعته عنها آخر مرة لترتدي الكفن .
ليست أمي ولا رائحة الشوق والموت والمحبة هي ما أردت الكتابة عنه ، ولا حكايات العمر او رائحة الأيام ولا أمنيتي التي كانت بصنع طفلة لها نفس اسمي وملامحي ودلالي الطفولي السخيف .  
الطفلة التي اشتري لها الملابس ، وأحتفظ بقطعه من أشياء كل طفل أحبه لها ، نفضت اليوم الحقيبة الصغيرة التي احتفظ فيها بملابس صغيرة لأطفال رأيتهم يكبرون أمامي ، وضعت لأحدهم حفاضا أو حكيت له حكاية قبل النوم او كنت حاضره عندما نطق اسمي لأول مرة وهو يختبر صوت الحروف في فمه .. أطفال عائلتي وأصدقائي الذين يتركون لي قطعه من ملابسهم كتميمة وتعويذة حصولي على طفل يخصني .. لا أعرف لماذا ملئتني تلك الحقيبة اليوم بهذا الشجن ، الشجن الذي يخص رائحة الهواء والحنين والفقد والمنح الإلهية وعطايا القدر الذي هو دائما سخي معي .
 ربما اردت فقط أن أكتب عن رقصة البطاطس المهروسة ، كنت اشاهد فيلم قديم لميريل ستريب ، ووقف ولد صغير يرقص كأنه اداة هرس البطاطس وكان الخاطر الذي جاءني صحيح تماما لأن الرقصة كان اسمها رقصة البطاطس المهروسة  .
أداة هرس البطاطس تلك تشبه المثلث الذي يكفي نقرة صغيرة منه بآلة معدنية – شوكة مثلا – لتفوح رائحة الفرح , لم استطع أن أمنع ابتسامة عميقة سكنت وجهي وانا  اتمتم باسم الرقصة ، انهض من مكاني وأجربها وأضحك من قلبي .
قلبي الذي يوجعني وأوجعه لكننا رفاق عمر ويعرف كل منا أننا ورغم كل المرات التي خذل كل منا الآخر سننجو ، احدنا يعرف الطريق والآخر يثق به .
في اليوم التالي أعود للوقوف أمام فاترينات بيع ادوات المطبخ ، بعد قرار غير معلن بأني سأتوقف عن شراء أدوات المطبخ .
المطبخ الذي ينقذني طوال الوقت من الموت من الحزن ، ومن الوحدة .. لأن الله مس روحي ، وهمست لي الجنيات الصغيرة بأن أطهو ، تذكرت ذلك كله يوم عيد الحب بينما يتجمع كل من أحب حول مائدة صنعت أصنافها بيدي ، طاقة الحب التي أحملها لهم ويردونها لي ابتسامات على وجوههم تكفيني لأيام طويلة ، تدفئني وتملئ قلبي بالعاطفة .
انا التي لم أكتب ما رغبت حقا في كتابته لأنه كان قبيحا كتلك المشاعر التي تملئني أحيانا ، وتورطني في منطقة من العالم تتعطل فيها إشاراتي وطاقتي .
وأدرك اني لو جربت تحويل مشاعري هناك لكتابة لخرجت لا تشبهني ولأفسدت ذلك الجزء من القلب الذي أعرفه ويعرفني . 

Saturday, February 01, 2014

و هي




لا أذكر تحديدا هل كانت رائحة البحر أم صوته !  هو ما  أيقظني فجأة من نوم قلق و وخزني في كتفي الأيمن الذي تتناثر فوقه حبات النمش ككمشة ملح سخية رشتها سيدة أربعينية في سبوع حفيدها الأول .
الرائحة أم الصوت أو ربما فقط موسيقى البيانو المنبعثة من الشرفة المواربة في فيلم " رسائل البحر " ومشهد الفراشات الذي صاحب البنت وهي تحكي عن حبيبها  الأول في نفس الفيلم .
ربما حنيني الشديد للأسكندرية ، ولذلك العتق والخلاص التي تمنحه لي في كل مرة أقف فيها بين يديها ، هي التي تفعل بي ما تفعله وتمسح على رأسي وربما تعطيني قطعه خبز وفصلا في كتاب وسكينة تكفيني حتى أعود .  
ربما ايقظني قلق غامض ، وتراكم بعض الكتابة ومقال تأخرت أكثر من عشرة أيام على إنهاءه .. وبيت جديد انتقلت فيه حديثا ولازالت إحداثيات المكان غير مرتبة في ذهني .
أتخبطت بحماس في الأثاث ، ويتعين عليّ  أن اضئ المصابيح انا التي تتحرك في الظلام بسهولة حفظها لأماكن الفوضى التي أعرفها كظهر يدي .
القلق الذي يعرف انه غير مرحب به
 .. ربما جاء مع صوت العود الذي ملئني تلك اللليلة ، وصوت حسن زكي الذي أحبه وهو يبدأ الليلة بأغنيتي المفضلة .
ربما كان من فرط الزحام الذي علق بروحي طيلة أسبوع حافل بالبشر والحكايات ، هي طريقتي في الإلهاء والتشتييت .. لكني لم اعد قادرة على المزيد أريد فقط بعض الصمت والضوء الخافت القادم من شرفتي التي أحكمت إغلاقها حتى لا يزعجني صوت العصافير القديمة .
لكن معرض الكتاب يجذبني من يدي ويربت روحي ويضع ابتسامة خرافية على شفتي ، فأحتضن كل ذكرياتي معه وأمضي
أتذكر الآن أن القلق جاء من فيلم شاهدته قريبا اسمه " هي " her  يحكي عن رجل يعمل في "كتابة الخطابات " مهنته الوحيدة أن يذهب كل يوم للعمل ويملي حاسوبة خطابات يكتبها بدلا من بشر آخرين ، رجل لزوجته وام لإبنها وفتاة لرجل ويغادر المكتب .
تنتظر منه زوجته ان يوقع أوراق الطلاق لكنه لا يستطيع لأنه يحب كونه متزوجا حتى ولو لم يقابل زوجته تلك منذ اكثر من عام ، حتى يقع في حب برنامج تشغيل على الكمبيوتر له صوت فتاة ويدخل معه في علاقة جادة حتى يهجره نظام الكمبيوتر الذي له صوت فتاة ليغادر مع انظمة الكمبيوتر الآخرى التي تشبهه والتي تقع في علاقات غرامية مع بشر آخرين .
فيلم له إيقاع هادئ وبطء ، تنتظر طوال الوقت ان تحدث مفاجأة ، الحقيقة أنا شاهدت الفيلم كله لاني توقعت في لحظة ما مشهدا استثنائيا ، حدثا مربكا يغير كل البطء والكآبة لكن شيئا لم يحدث حتى نهاية الفيلم ، الأمر الذي جعل ابتسامة سخرية تملا وجهي وكلمة قبيحة اعتدت مؤخرا أن اقولها كلما شاهدت فيلما يصنع معي الحاله ذاتها انتظر منذ الدقيقة الأولى أن يفاجئني بشئ فينتهي دون أن يفعل ودون أن أستطيع أنا ان أتوقف عن مشاهدته ، الأمر يشبه خدعة انتظار حاجة حلوة ، بينما جعبة الرجل فارغة من الحاجات الحلوة والسيئة على السواء ,

أدرك الآن أني لو كنت في حالتي الطبيعية  كنت سأتوقف عن متابعته بعد الدقائق الأولى ، لكن مشاهدتي له حتى النهاية يذكرني بجلستي على رصيف أحبه منذ أيام لأكثر من ساعتين أحدق في الشجرة التي تميل بشكل يجعلها تنظر لروحي مباشرة كلما جلست أمامها أميل رأسي قليلا كعادتي .
اجلس على الرصيف ساعتين أستمتع بالشمس وأنتظر حافلة خضراء ستجئ ذات يوم ، هو اليوم ذاته الذي مرت أمامي فيه  وأنا احتسي قهوتي بالمقهى ذاته عربة الساحر تلك التي لا تبيع شيئا يمكن أن نشير نحوه ومع ذلك تمضي امامي في موكب خرافي ، توزع وعودا وأحلاما وتخفي غموضا مبهجا خلف ستائرها الخمراء وقطع الزينة الذهبية الرخيصة المعلقة بها ، حتى صاحبها الذي يعلم انه لا يبيع شيئا يذكر أصابه السحر مثلها فمضي يوزع كمشة من الغبار الفضى الامع الذي تحتاجه الجنيات لتطير ، وأحتاجه أنا لأندهش وأضحك وأنجو من التشويش والإرتباك الذي قالت عبير في لعبتها انه سيكون طالعي لهذا العام .
الأمر الذي جعلني لا أبدي اي دهشة عندما وضعت أغنية لأبو الليف مع اغنية احبها لأم كلثوم في تراك واحد فدارا معا وبدى ذلك منطقيا ومقبولا .


أنا التي ستعتاد المشي في الظلام من جديد ، وستجرب النوم مع القلق وتنتظر حافلة خضراء ربما ستجئ ذات يوم . 

Friday, January 17, 2014

كل هذا الحزن



"وأصابني منظر البحر – عندما رأيته أول مرة – بالذهول . فقد بدا لي معلقا في الفضاء ، كأنه غول حي نابض ، يوشك أن ينقض علي."  من مذكرات شارلي شابلن
علق هذا المشهد بعقلي ، كما علقت الكثير من العبارات والحكايات والمشاهد من الكتب والأفلام التي أحببتها ، أحتفظت في ذاكرتي بالبشر وبشغف لقطات الحب الفارقة التي مدت لي جسرا رحبا من هنا لهناك ، حتى أعبر على كل الحزن الذي يملئ قلبي ، ويخطط لبقاء طويل ..
أحتفظ بصورة فتاة أجمل وأرق فتبقى صورتها هي التي تعكسها مرآتي دائما مهما تقدم بي العمر ، وخطت الحياة بصماتها على روحي .
لكني سأقف تائهة تماما ، عندما أشعر في روحي بتساوي لحظات الفرح بالحزن ، الإنتصار بالإخفاق ، بهجة الميلاد وصدمة الموت ..
صوت ضحكتي وهي تتفاوض مع دموعي حتى لا تزاحمها وتسقط فيبدو المشهد عبثيا ومربكا ، حرف الام الذي تعطل على لوحة مفاتيح " الاب توب" وصار عليّ كلما ضغطت عليه أن اخرج من حالة الكتابة لأتأكد أنه دق الحرف على الورقة ، وأفهم ان الحرف تعطل ليخبرني بطريقته أن لوحة المفاتيح أشتاقت دقاتي عليها .
 أشعر بشرود غريب في روحي ، أتوه في أحلام يقظتي وأقابل بشرا لا أعرفهم في منامي ، وتنبئني العرافة أن حظي هذا العام سيميل نحو شئ جديد ، لا أعرفه ولا يخطر بعقلي .
فأعرف أن شيئا سيفاجئني ، وأعرف أن الفرح بعيد ، ولا شئ قادر على هدهدة روحي التائهة .  
وأني ارغب أن يكون طوطمي لهذا العام هو حجر صغير تلمس قاعدته رمل البحر وسطحه غارق في رشرات الماء المملح وحوله صوت الموج والصمت .. هذا العام سيكون ملائما أن تكون حجرا صغيرا قادرا أحيانا على الذهاب للسينما ومشاهدة أفلام بمفرده لأن " تذكرة سينما واحدة / وحيدة " تبدو ملائمة تماما لرغبته  في البقاء صامت .
حجرا يقرأ كتابا أعجبه لون غلافه الوسط بين البنفسجي والوردي ومكتوبة عليه " فنّانة الجسد" لدون ديليلو .. كتاب لم يرشحه له أحد ، ولم يشجعه شئ على شرائه .
الكتاب ابتسم لي وتعلق في يدي في طريق الخروج من المكتبة ، الكتاب الذي تعلق بيدي ولم يخذلني لأن حكى لي عن إمرأة وحيدة تحيا في بيت خشبي مع شبح .
الرواية تتحرك بهدوء وحزن وتلمع عبارات من حين لآخر لتمنح قاربي المرتج وسط العاصفة بإشارات نجاة .. حين قالت الرواية " أنا الذي يجب أن يشتكي بسبب رعب يوم عادي آخر "  أو جملة تضخم أنينها  عند القراءة الهامسة وتردد صداها في تجويف روحها " لكن العالم كان قد ضاع داخلها "  ثم ألقتها جملة آخرى داخل حضنها حيث استسلمت تماما ولم تقاوم دموعها عندما قالت لها الرواية " وكيف أن كلمة وحيد تشير إليها وإلى المنزل وكيف أن كلمة بحر تعزز فكرة العزلة لكنها توحي ايضا بالتحرر"
الليلة كانت باردة وأنا كنت وحيدة كما أنوى أن أكون هذا العام بطوله ، لأستجمع كسرات روحي ، وأخرج الضوضاء التي دخلت عنوة تحت جلدي فأفسدت هدوءي المحبب ، وبعثرت محتويات الحجرة فلم يعد هناك كرسي خشبي هزاز يمكنني أن اجلس عليه وأنا اسمع الموسيقى التي تسبق بدء الكتابة ، لم يعد هناك ركن للكتابة ولا مكانا للكتب بعدما أشترى رجل غامض أخشاب مكتبتي ليصنع عربة يد سيبيعها لرجل قد اصادفه يوما وأنا امشي جوار النهر يبيع البطاطا وأقف جوارة بخجل قديم من التعامل مع الباعة الجائلين يمنعني من شراء قطعه منها ، سأقف هذه المرة ليس لأجل دفء ورائحة البطاطا المحبب ولكن لأني أعرف خشب العربة من حياة أخرى .  
سأدخن سيجارة في حجرة قديمة ، واستمتع بها ، وفي عقلي يدوي صوت رجل أعتاد ان يسبني كلما نفثت سيجارتي ، سأسمع صوت سبابه وصوت ارتطام شئ بشئ ويلمع في ذهني صورة كوخ العبيد في رواية الجذور ، كنت هناك طوال عام وعندما غادرت كانت آثار السلاسل الحديدية تصنع تجويفا مرعبا يعبر من هنا للجانب الآخر .
هنا في الحلم القديم ، ومع شبح بنت قديمة وبحرف لام معطل في لوحة المفاتيح أجرب أن اصبح حجرا صغيرا هادئا يمر العالم بضوضاءه حوله ولا يؤذيه شئ أبدا بعد الآن . 

Sunday, July 21, 2013

عشيقتي السرية






لا شئ غير الحنين وربما كلمات محمد عبد النبي الحماسية التي يكتبها على صفحته بالفيس بوك  ليذكر نفسه بضرورة العمل – الكتابة – هو ما سحبني بنعومة اطياف الأحلام لصفحاتي البيضاء والملونة بمسودة أولية لفصل قديم في روايتي التي بدأت فيها منذ خمسة أشهر ، ولم أنجز الكثير .
توقفت عن الكتابة ، لأن مغناطيس الحياة يؤثر على إبرة بوصلتي ، يشوش على طقوس الكتابة التي أعرفها ، الكثير من الوحدة والهدوء الخرافي ، الوقوف على حافة العالم الحقيقي وتحسس الطريق في الظلام نحو السحر .
عندما كانت الكتابة عشيقة سرية / معلنة في ذات الوقت كانت علاقتنا أسهل .. هي تملكني ،  تمنحني بقدر ما تستطيع ليس بيننا وعود عظيمة ولا علاقة دراماتيكية تنتهي بكسر القلب والفراق او خيانة اي منا للآخر .
نحن معا ، تمسك يدي ونمضي نختبر الحياة ونكتب ، يحب الناس ما نفعل أو يكرهوه ، يترك البعض تعليقات ساخرة أحيانا عن طبيعة ما أكتب ، وندخل في جدل يتطرق لأمور مخترعة مثل منهج الكتابة النسوية ، وخط السيرة والتكرار والفخ وهكذا ، ونتجادل انا وهي ، أخبرها بإحباطاتي وجنوني ، تهدأ روعي ، وتحتضن كل ما أوجعني وتمنحني حكاية ونصا والكثير من الأحلام .  
الكتابة التي منحتني الكثير .. منحتني وطنا خرافيا يكون ملاذي في كل ايام الحزن والبرد ، منحتني طبعات من كتب ، وجائزة ، وحبيب .
منحتني رسالة سلام وفرح لم أجربه ابدا إلا معها .. لكني أخفق في التواصل معها الآن ، أخذلها كثيرا ، اتهرب منها لأرتب ورودا في زهرية البيت ، لأصنع طعاما لرجل احبه ، أهرب منها حتى لأدور في بيتي ، أحفظ كل ركن فيه ، أنقش ذكريات سأحتاجها في سنواتي القادمة ..
ابتسم الآن وانا ارى أشيائي الجديدة تتواصل معي وتسرسب لي الحكايات كما كانت تفعل أدوات مطبخ امي التي ورثتها ، تشوش هذه الحكايات بصوتها وغوايتها على ولعي القديم والأبدي بالجلوس في مكان هادئ قرب الفجر بقليل لأكتب .
أكتب حتى توقفني شخصيات كتابتي ، تربت يدي وتمنحني عتق ليوم جديد .

في الشهور السابقة كانت الكتابة وشخصيات الرواية يتجولون خلفي في البيت ، يمرون خلفي تماما  ، يدخلون معي في نفس اللحظة التي أعبر بها  من باب المطبخ ، أشعر بثقل وجودهم يمكنني إن مررت ابطء من حركتي العادية أن أصطدم بهم  
ومع ذلك واصلت الهروب وتجاهل انين متبادل بين أرواحنا . كنت اهرب من الكتابة لأن شيئا في روحي معطل ، شي لا أعرفه لكني أعرف أني ومهما قالت كتب الكتابة عن ضرورة الجلوس يوميا للعمل وإضعاف فكرة المزاج والهوى فشلت في تلبية النداء انا التي تحب الكتابة  ولا يمكنها  مبادلتها غراما ناقصا .

منذ أيام طويلة هدات الضوضاء ، وتلاشي الزحام الخرافي و غاصت الشخصيات داخل الورق ، غابت من وجودها المجسم لتتحول لحروف مكتوبة بقلق ، وحزن ..
كنت أفتح الورق وألقى عليها نظرة وهي تشيح بوجهها بعيدا ..
أنا اتظاهر بالكتابة ، بينما افكر في ألعاب أخرى لا تخص الورق ولا الكتابة .. تنغمس كلها في الحياة التي اكتشفت أني لم اجربها ابدا على الورق وأن ما يحدث لي منذ ارتدائي خاتما عليه اسم رجل احبه ، هو مربك ومعقد ، ولا يمكن لنا انا والكتابة ان نفهمه ونقبله بسهولة .
وان أختبائها مني ، وهروبي منها لن يحسم خياراتي في العالم لأنها ليست ندا ولا معادلا موضوعيا للبيت ولحياتي الجديدة .

أيتها الكتابة أنا وانتي فتاتان كبيرتان بيننا الكثير من المشاكل ، والحب
أنا جاهزة الآن تماما لجلسة صلح طويلة ، يدفعني نحوها الشوق والوله وكل الحنين .



Friday, July 19, 2013

احجية العتق

  



مثل الطريقة التي تنبت بها زهور الياسمين ، تنبت الكتابة في قلبي
زهرة الياسمين تولد كل نهار جديد ، مكتملة وفاتنة .. تغويني لأقطفها فينبت في قلبي شعور مزدوج بالفرحة والقلق .
 فرحة استمتاعي بزهرة فواحة بيضاء نقية ومبهجة وقلق وانقباض أن تكون الأخيرة .
مثل الطريقة التي ينطفئ بها جمال البحر في المساء ، ينطفئ شغفي بالأشياء وبالعالم ،  ينسحب قوس قزح ، ويترك عالمي رمادي شاحب .

اتذكر مشهد قديم .. في ركن ذاكرتي القديمة ، تبحث فيه بطلة عرض مسرحي عن " كلمة " كل ما تعرفه انها لوتذكرتها سيتغير حالها ، هي المكسورة البائسة المحتجزة رهينة في بيت رجل ما
لا أذكر غير انه كان رجل يشبه كل الرجال المرضى – المختبئين في قصص الثراث في رمز الثعلب او الظلام –
البطلة كانت مشعثة وفي عينها نظرة جنون ، تبحث بدأب داخل عقلها عن الكلمة ، يعطلها صوت بكاء طفل جاء في ليلة حب مغتصبة ، وملابس متسخة ورائحة بقايا طعام وهي لا تهتم تبحث عن الكلمة ، تركض داخل عقلها

أواجه الآن مأزق تشبيك الفقرات السابقة ببعضها لأداري الفكرة التي أرغب في كتابتها أو ربما  لأفضح فكرة تبدو كبش فداء ، سأقتل فكرة على عتبات هذا النص ، لأخفي فكرتي الأصلية
سابحث مع بطلة العرض المسرحي عن كلمتها االناقصة ، لترد لي هي المعروف وتبحث معي عن فكرتي المختبئة .

في افتقادي لقوس قزح الذي يمس روحي فيبدل ثقل العالم لخفة وأحلام ، وابتسامة من القلب ، وحلم برجل لا يجئ .. لا يدنو من الأرض .. لكن أنتظار مجيئه يكفيني لأمس النجوم .
رجل آخر غير كل من اصادف ، ويخدش جسدي بكلمة أو نظرة .
رجل لا يمارس الوصاية فيشعرني بعاهتي الإفتراضية ، وآخر يجعلني استدعي كل أفكاري في ورشة الكتابة النسوية عن القهر والموت والقسوة في قلوب الرجال .

أفكاري التي تغرس نصلا حادا في هدوء سحابة قطنية أجرجرها خلفي من حجرة لأخرى بعدما سقطت من السماء في ليلة خذلها فيها قمرها .
السحابة تنزف دما بشريا وتترك بقعا على حاجياتي ، وبدلا من ان أعالجها .أو أحكي لها حكاية .
أجلس جوارها على الأرض أبحث مع  بطلة العرض عن الكلمة المختبئة في عقلها ، والتي حال تذكرتها تحررت من سجنها .


Monday, May 27, 2013

يوجد بالداخل شرابات كولون للبنات




يملئني شعور غامض بأني سأكتب نصا لا يجب عليّ كتابته .. ربما لأننا – أنا وكتابتي – نتحرك في طرقة ضيقة يمكن لكل منا أن تلمس بيدها مؤخرة الأخرى إذا درنا بحركة خفيفة أو أن تضع يدها على صدري بالطريقة ذاتها التي تضايقني وتؤذيني لأني لم اشاهدها تحدث في اي من قائمة الأفلام الرومانسية التي أحبها ، انا والكتابة نستحم معا ، وترتدي أي منا ملابس الأخرى بعد الوصول من الحمام لحجرة المكتب الخرافية ، انا وهي نرتدي ملابسنا على عجل في غرفة المكتب الخرافية لنبدأ العمل أو اللهو .

لنبدأ الخيانة كما يسميها رجل باهت في ذاكرتي ، الرجالي الذين يظهرون في الذاكرة على شكل شخبطات رمادية مشوشة لا يمكن ان نأمن جانب وجودهم .

لاشئ حقيقي يثبت انهم كانوا هناك سوي بعض الخيالات وكأس آخر جوار كأسي ذو أثر ملمع الشفاه على جانبه ، لاشئ ربما كدمة بائسة على حافة معصم اليد من الداخل نرتبك في سببها هل كانت قبلة رجل أم سن إبرة الممرضة وهي تسحب قطرات دماء تكفي لثلاث انابيب لأن طبيب التحاليل يطلب الكثير مثل مصاص دماء مبتدا عليه ان يشرب الدم من انبوب الأختبار ، لان أنيابة لم تستعد بعد للغرس في الجسد . 

لا يجب عليّ كتابة نص يتلامس مع جسدي في عشر مناطق على الأقل ، ويفتح للرقيب الذاتي الذي تسلل لروحي منذ فترة لأن ينظر لي نظرته المقيتة تلك ،ويسألني هل ما تكتبينه لك أم لبطلة خرافية .

أردد الآن بتلقائية كلمة بذيئة ، اوجهها في سري للرقيب ،اسمي عضو امه بلا حياء ، أسميه فقط واعتبر مثل تراثنا الشعبي كله أن تلك إهانة بالغة .



اترك كل ذلك ورائي وأكتب نصي ، وانا افكر في شهادة الكتابة التي كتبها احمد الفخراني منذ أيام وقال فيها ما معناه انه ترك مساحته الآمنة في الكتابة واتجه لمكان آخر بعيد عن التصفيق مكان يتسع لحبات الطماطم والبصاق .. لماذا لم اذهب لهناك وأكتفيت طوال ست سنوات مرت على احترافي للكتابة باللعب في منطقتي الآمنة التي أحبها !



ربما فقط لأني أحبها – ربما- لكن ذلك ليس عذرا .



اكتب على صفحتي على الفيس بوك كلمة " كل يوم " واصمت كنت اريد ان اقول أني عدت أشاهد فيلم " يو هاف جوت ميل " ميج رايان وتوم هانكس كل يوم .

عدت لتلك العادة السيئة التي لازمتني عامين ، وأقلعت عنها بعد .....



لم أعود للمشاهدة مرة واحدة ، في البداية قاومت الأمر لأيام ، ظل يلح وانا اقاوم ويلح وأرفض ويلح وأهز رأسي علامة التأكيد على الرفض ، في اليوم الأخير للصمود شاهدت إعلان الفيلم على شاشة إحدى قنوات الأفلام اعتبرتها إشارة وعدت لعادتي السيئة تلك .

الامر يشبع العودة للتدخين بعد قرار الإقلاع ، او تناول طبق مكرونة اسباجتي بالصوص الأبيض والتحلية بأيس كريم زبادي توت بعد أيام من إتباع حمية أو النوم مع رجل لا تحبيه من باب تمرير الوقت وكسر الملل .



كنت أريد أن اكتب عن حلم يراودني ، أحلم أني بطلة جزء من افلام سو ، تلك الافلام الرديئة التي بها الكثير من بتر الأعضاء والدم والكلابشات الحديدية .

في الحقيقة لم احلم بذلك لكني شعرت أني أمر به في الواقع .. كنت صاحية تماما ليس حلما .



لكني أردت بعض الإثارة للنص الذي لم يبدأ بعد ..

إثارة تشبه المشي عشر شوارع للإتجاه لمحطة اتوبيس تعرفت عليها حديثا ، وقفت هناك لإنتظار اتوبيس جديد أنا على علاقة غير جادة به ، اخون معه كل وسائل تنقلي السابقة .



في الطريق من الجريدة للمحطة البعيدة عن البيت والمقهى وكل شئ ، صادفت محلا جديدا قلت لنفسي سأجرب القهوة هناك يوما .. كنت امشي أعمق من كل المرات السابقة كنت اسمع وقع اقدامي على الارض ، كانت الشوارع اليوم بدون سبب شبه خاليه ، استقبلتها كانها لي وحدي دببت على الأرض واستنشقت الخفة وبعض الحزن .

وقرأت لافتة مكتوب عليها " مطلوب أنسات للعمل ، وأخري جوارها مكتوب عليها يوجد بالداخل شرابات كولون بناتي )

قرأتها ومضيت ثم رجعت خطوات للخلف لأتأكد من هجاء كلمة كولون ، تأكدت انها صحيحة .. انزعجت قليلا أن هوسي  بالعد انتقل لحروف الهجاء .

عندما وصلت للمحطة كان الميدان خاليا مفروشا بمخبوزات مقرمشة والكثير من عيدان العسلية الملونة الطويلة التي تشبه اعواد القصب ، توقف أتوبيس وردي يرتدي محصله بدلة بنفسجية ، ويبتسم سائقه لي ، أصعد للحافلة وافكر اني سأعيد كتابة النص لأحكي ما وددت في البدء قوله ولم أكتبه بعد .
 


Wednesday, May 08, 2013

عن الكائنات المستديرة




 لم أكن أتخيل أن حقول زراعة الأناناس مبهجة هكذا ، كانت صورتها على ايميلي ارسلها لي صديق يعرف شغفي بهذه الفاكهة الإستوائية ..

يوم ما سأواضب على جلسات للعلاج النفسي ، ساجلس أمام الطبيب وأخبره أني أخاف من كل الفواكه التي لها قشرة كبيرة .. أخبره عن فزعي من البطيخ .. اخبره عن سنوات كفاحي لقهر ذلك الخوف .. أصدقائي يبدلون جلساتهم معي في المقهى للداخل إذا مرت عربة بائع البطيخ ، يقطع طاهر حديثا جديا دائرا ليهمس لي " بألا أنظر خلفي " وأفهم من طريقته أن ثمة بطيخ خلفي .. يبدل أبي مكانه معي اذا مررنا في الهايبر جوار سلال البطيخ ، ويسمح لي أن اسرع خطوتي قليلا حتى لا تنال مني إحدى تلك الكرات الخضراء الشريرة .

حتى زوجي الذي أخبرني أكثر من مرة عن رغبته في اكل البطيخ ، كلمات تشبه تعرفي البطيخ ده لطيف وحلو .. انا التي تقابل كل تليمحاته عن دخول تلك الكرة الخضراء للبيت بصمت ، فاجئني ذات يوم بان طلب مني ان أدخل يدي جيدا داخل التاكسي لأن على بعد متر منا توجد عربة تبيع البطيخ .

ضبطني منذ أيام امسك بيدي واحدة كنتلوب ، واسمع دقات قلبي وانا أغرس السكين فيها متساءله ما الذي ينتظرني في الجانب الآخر من القشرة لم اكمل تقطيعها تركتها في الطبق وتحاشيت التعامل معها باقي اليوم وفهمت أن عدوى البطيخ انتقلت لي ّ

في الشتاء وكلما قشرت برتقاله اتساءل ماذا ساجد داخلها ، وتفاجئني دهشة حقيقية في كل مرة أجد برتقال داخل القشرة ، يحدث ذلك مع البيض أيضا .

سأخبر الطبيب وانا ممدة امامه على الكرسي أني أخاف من الاشياء المدورة ذات القشرة ، وأقاوم كثيرا لكن الرهبه تتسلل لقلبي .

الاناناس نجا من تلك الحالة ، في المرات الاولى التي تعاملت معه فيها كنت احتاجه لوصفات هندية ، هناك الكثير من الأناناس المشوي في تلك الأطباق ، وهناك حلوى الكيك بالأناناس المكرمل وأنا احبه بصفة شخصية أحب أن آكله على الرصيف أمام الهايبر ، أجلس على التل الصغير عند مدخل المدينة واكل الاناناس وابتسم واسمح للهواء ان يداعب وجهي وشعري ... لا  يكتمل طقسي ذلك دون دوائره الشفافة الممتلئة بالعصير الحلو .  



البنت التي تشبهني ، تغيب كثيرا كلما ملئني الحزن ، وعصر قلبي فسال منه عصير حلو يشبه في طعمه حليب جوز الهند . لا يشبه الحزن شيئا سيئا .. الحزن هبة الحياة لنا

الحزن يمنحنا بعض الصفاء لنكتب ونهدأ ، ونسمح لانفسنا بالجلوس على طرف ندف السحاب نصطاد قطعا زرقاء من السماء لنصنع منها تعاويذ الحب لرفاقنا ، الحزن يسمح للعالم ان يمضي أبطأ حتى نراه .

هناك نرى غلالة المحبة الكثيفة التي يغطينا بها الأصدقاء ،وقناة فتافيت ، ومسابقة ماستر شيف التي غادرتها أمينة أخيرا بعدما صنعت طاجين السمك وحلوى الارز بالحليب .

البنت التي تشبهني تكتب نصا عن الفاكهة المستديرة التي تخفي في قلبها وحشا ذو أسنان حمراء ، تماما كما يتخفى الشر داخل البشر .

البنت نفسها تترك مقالا عليها أن تتمه ، وحلما لم تكمله بعد ، والكثير من المخاوف التي تعرف انها لابد أن تتحاوزها لتحيا تترك كل ذلك وتجلس على طرف السحابة وفي يدها تليفونها المحمول حيث تلعب لعبة المكعبات الصغيرة التي توجع عيناها وتفكر في انها سعيدة جدا لأنها تعلمت طريقة منزلية لعمل " الساور كريم " وليس عليها الآن عندما تذهب لتشيلز أن تطلب الطبق ذاته فقط لأنهم يقدمون معه سلطانية صغيرة حمراء بها الساور كريم .

وتفكر أيضا انه في المرة التالية التي تمر بها جوار البطيخ علها أن تلسعه على صلعته وتفر هاربة .وتعرف انها في النهاية عليها أن تجلس لتقرأ الكتب التي وضعتها في صف قصير أمامها وان تجهز المقال الذي تنوى كتابته قبل ان تعاود الجلوس على الكنبة الخضراء جوار والدها قبل أن تبتسم قليلا وهي تسرق الريموت وتحول الفيلم الذي يشاهده  لقناة فتافيت .


 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner