أنا حسنة الظن بالعالم
لأن أحدهم لم يسقني شئ أصفر ويسلبني عذريتي
لأن العالم تعامل معي كما يلائمني
أنا الهشة الناعمة كقطعة البسكوت
أنا لا أقف في طابور الخبز وإنما يشتريه ليّ الفتى الصغير محمد كل صباح ويقف عند الباب يسألني إن كنت اريد اي شئ أخر قبل ان اشكره بسعادة واغلق الباب
أنا لا أجرب التحرش اليومي الإجباري في المواصلات العامة
لأني لا اركب إلا الرائق منها الذي يسمح لي ان اجلس وانظر في النافذة ..
لأن البديل متاح دائما ان اشير لتاكسي
انا اركب المواصلات العامة من باب انه طقس جماعي
ولأنه الى الآن يشعرني اني أصبحت شابة ناضجة بإمكانها فعل ذلك وحدها .
أنا اذهب لعملي من باب قتل الفراغ وتحقيق الذات
وذلك الكلام الكبير الذي صدقته ولم افقد ايماني به بعد .
أنا انفق مرتبي الذي اعتبره كبيرا نسبيا على مواصلاتي
ومصروفاتي الشخصية و شراء الكتب ودخول السينما وعروض الموسيقى والأوبرا ..
انفقه على الشيكولاته والورد .
أنا لا اكل من مرتبي ومع ذلك أشعر بالغلاء الرهيب الذي أفقد لكل فئات النقود
قيمتها خاصة تلك الورقة الملعونة – من فئة ال200- التي لن تكفي لشراء 3 كتب من المدى .
أنا اعرف ان هناك حربا في غزة وأعمل في قسم سياسي بالجريدة
ومع ذلك أحاول أن أتشبث بأفكار اخرى غير أن ذلك القبح يحدث ،
أنا اكتب بيدي مؤتمرات القادة العرب والأجانب أردد خلفهم الدعارة والعهر
ومع ذلك اترك ربع ذهني معهم واشغل الباقي بأحلام جميلة أصدقها والمح أطيافها
أنا بقيت مع امي ثلاثة أشهر في المستشفى أتحرك في حيز غرفتنا هناك فقط
ونخرج فقط لجلسات العلاج الرهيبة في سيارة اسعاف أو مع هالة أو عمرو
ومع ذلك كنت اصدق انها ستتعافى
أمي ماتت بين يدي في البيت وأنا اناديها ولازلت ابحث عن طيفها في البيت
واتشمم حضنها ومذاق طعامها في كل ما افعل ولا يجرؤ أحد ان يخبرني أني لم اراها منذ 3 سنوات .
أنا احب مصر
رغم الخنوع والعار الذي نحياه منذ سنوات طويلة
أحبها واصدق ما يقوله الوزراء وما تعلنه الحكومة ،
وأخاف من المظاهرات وأنزعج من الشيوعيين ، وأرتاب في الإخوان
وأسخر من لافتات الوطني ..
أنا احب مصر واعتب على اصدقائي الذين يختارون السفر ..
أفكر حتى ان اتشبث في اقدامهم ليبقوا لأن مصر دي أمنا
أنا ابكي وانا اسمع النشيد الوطني واغنية شيرين عن مصر
أنا ارفض فكرة السفر الرهيبة لأني لن اترك بلد بها قبر امي ،
لن اترك بلد بها مقاهي وسط البلد
وشارع قصر النيل الذي اشتريت منه مع رحاب فستان خطوبتها البنفسجي
وكنا نغنى ونبكي ونحضن بعضنا في غرفه البروفة من الفرحة ..
لن أتركه لأن به محلات الكشري التي دخلتها لأول مرة مع ابي
ولأن بها هالة وترتيل وشيماء وهيام وعمروونهى بكر وكل اصدقائي
لأن بها عائلتي الكبيرة كلها .. لأن بها اطفال رأيتهم يكبرون ويصبحون شبابا
لن اتركها لأن فيها النيل الذي تصحبني أنت عليه لنقطع مسافات طويلة وأنا حزينة
لتخفف عني / وتضحك معي وتشتري لي الشاي من البائعه في الشارع
وتلف يدك على كتفي لتتأكد من يقين رحيلها ووجودنا ..
لن اعرف ان أغادر لأن حقائبي لن تسع ذلك العمر الذي انفقته هنا وأحببت كل ما فيه ..
مدرستي الأولى .. وحب مراهقتي .. ودموعي يوم تخرجي من الكلية
وفرحتي بأول مرتب
وبيت جدي وجدتي
لن أعرف ان اراها قبيحة وشريرة وبديل
حتى عندما اصبح الحرس والجنود وضباط امن الدولة في الشوارع اكثر من البشر
حتى وهم يشيرون للسائرين في الشارع بتعالي ليغيروا خط سيرهم
حتى وهم يغلقون رصيف مترو رمسيس أمام جامع الفتح خوفا من مظاهرة مسالمة لاجل غزة
حتى وهم يجلسون كالحوامل أمام سلم نقابتنا لا اعرف لماذا !
لن اعرف ان اكره هذا البلد حتى وهم يلقون القبض على الأحلام
وهم يفتعلون الشجار معنا على بوابة معرض الكتاب لأن صديقة دخلت بالشال الفلسطيني
ومنعها الامن وأصرت هي على الدخول
لن اكرهها وهم يفتشون حقائبنا ويقراون اوراقنا على بوابة المعرض كأنها منشورات
لن اكرهها وأرض المعارض محاطة بعربات امن مركزي كأننا في حرب
ولأنهم منعوا سائقي الميكروباصات من الوصول لأبواب المعرض
الحكومة قالت ممنوعة
لن اكرهها وهم يشوهون كل شئ
لأن هناك رجل يصر أن ينام تحت الشجرة رغم انه لم ييحكم ولم يعدل .
لن اكرهها لأن لحظة ان اطفؤا انوار المعرض في السابعة مساء فقط
لتستيقظ الخفافيش وسكان الظلام
وبينما نعبر الشارع لنشير لتاكسي كان هناك ذلك الرجل
الذي ينادي بإبتسامة جميلة على الفريسكا
لن اكرهها حتى وذلك الرجل يؤذي أذني بمعاكسة وأنا اسير في الشارع
لأني قايضت بين فكرة سبه بلفظ بدى مناسبا يطعن صميم رجولته
ويخدش حياء تلك العذراء التي اكونها
وبين التخلى عن بكارة الروح وتلوين اللوحة الملونة أصلا بالدماء
وأظنني فضلت الحل الأخيرة وإن بقيت انتفض من الرهبة والحزن
اهداء: لأسماء يس