أسطورتنا
-
*أعرف أن قلبي سيتفتت ذات ليلة بداء العشقأنا ممتلئة بك حتى الموتالموت الذي
يغيب عندما اكون معك ، اتحسس جدران العالم فتبدو اكثر رفقا ومحبةأعود ...
16 years ago
الكتابة وردة روز في كتاب الحياة لا تذبل أبدا




مثل قوة وفتنة موسيقى كارمينا بورانا لكارل أورف يبدو كل ما يخص حكايات وحيد الطويلة ، وهو الكاتب الصديق الذي يبدو مثل تعاويذ البهجة والصخب والإنسانية المعجونة بالحياة . شاهدته مرات قليلة قبل أن نصبح اصدقاء ، هو لا يذكرها بالطبع لكني كنت أتفرج على ذلك الرجل المحاط بالمحبة ، يحكي لي اصدقائنا المشتركين عنه ، سيرته تبعث على الإبتسام . أشتريت روايته " العاب الهوى منذ أعوام من باب الفضول فضول رؤية ذلك الرجل الذي أرى الهواء يتراقص كلما مر ، عندما فتحت الكتاب رأيت إهداءا عذبا لإبنته كتب فيه " فيروز .. ابنتي الصغيرة ، كم أود لو أهديتك القمر ، تعطيه لحبيبك عندما تكبرين ، لكنهم نشلوه أمام عيني ، بعد أن وضع في يدي قطعة حلوى ، حبيبتي فيروز ، إليك اوراقي عله يعود " عندما قرأت هذا الإهداء ولسنوات بعدها كلما اخرجت هذه الرواية من رف المكتبة ابتسم وأتساءل عن الرقة التي تملكت رجل ليكتب هذا الكلام لفتاة مرات كثيرة كنت أنظر للقمر فأتذكر أن احدهم سرقه وأن الكتابة ستعيده لكفوف الصغيرات .. ذلك إيمان صديقي الذي لم ألتقيه بعد لكننا جميعا اصدقاء لأننا نملك شجاعة الإعلان عن هواجسنا وجنونا الخاص في شكل كتابة ، بينما يقضي البشر الباقين عمرهم كله في إخفاء ما نرميه نحن على الأرصفه وننشره للكون كله . نزقنا وجنوننا وضعفنا الأثير، وحكايات الجدات ، واسرار العائلة التي يحرص الجميع على تجميلها ، نبحث فيها نحن عن العادي ، الفضائحي والمربك والباعث على الخجل لنصنع منه اساطيرنا الخاص . كلنا الرجل ذاته ، كلنا نعرف بعضنا حين نلتقي ، الشفرة السرية / العلنية لأصحاب القلوب التي لا تبقى داخل الصدور وإنما نحملها على كفوفنا ونتركها عرضه للنهب والألم . وحيد الطويلة مثل كل هؤلاء المسكونيين بالحنين والجنون ، مثل حاملي القلوب له ما لهم وعليه ما عليهم ، له الليل والسهر وأسرار الحكايات ، وعليه الحنين والأرق في أحمر خفيف كان الصخب عاليا منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية ، أكثر من قدرتي على التمادي والتورط وسط شخوصه نصف الواقعية / نصف السحرية ، وكأنها تجئ من جعبة تخصه وحده ، المنطقة بين النوم واليقظة ، الهلاوس واليقين الموت الذي تتعلق عند حده كل الشخوص، القدر الذي يتجمد عالم روايته كله ومستقبل أبطاله في انتظار ضربته القاسمة ليموت محروس وتستريح الطبول من الدق رواية تضعك عند حافة الجبل ولا تهتم بإرجاعك ، سيمنحك الجميع ، ويورطك مع أبو الليل وبحثه عن نجمه بإمكانها أن تشفيه فقط لو رأته ، لو رقصت معه سيمرر لك سخرية لاذعة من شخصيات من الممكن ان نكرهها في كتابة اخرى ومع كاتب آخر ، لكن وحيد لا يأبه ان يمرر لنا الكره لأحد ، هو يقدم شخوصه بضعفهم وطمعهم و خيباتهم فلن نكره العناني وهو يبدو متذلالا ليأخذ العهد ، لن نكره عزت من يحب النساء والحمير لن نكره من قد نبغضهم في كتابة أخرى ، سنجد عذرا للجميع وكأن كل منهم له خيط داخلنا سنرى نفسنا في الشخوص البعيدة عنا في فرج الذي رمى نفسه في النار وهو مؤمن أن الله سينجيه ، سنحب كل النساء في هذه الرواية .. من يطارد الموت ، ومن يطارد الثأر ، ستجدنا جميعا هناك أساطير وحقائق تسعنا جميعا وتفيض . سنحب النساء مثلما يعرف ذلك الرجل الرقيق أن يحبهم ، أنا كنت مغرمة بعزيزة ، لأنها تحب ، وأنا أحترم النساء المبتليات بالمحبة . سأتذكر المرة التي كنا نتحدث فيها عن عزيزة وفرج ونحن نسير في وسط البلد وحكى لي عنها قبل أن أقرأها ، سحبت قطعه من قلبي وبقت هناك وعندما قابلتها في صفحات الرواية امتلئت بالبهجة ، كنت أفرح كلما ظهرت . وحيد الطويلة الذي أذكره كثيرا كلما سمعت أغنية مفرحة ، وقرأت كتابة حلوة ، ومرت جواري نسمة هواء باعثة على الامل هو رجل يقدر ان يمرر كل ذلك لأصدقائه فرحت جدا عندما تقابلنا اول مرة ، وقضيت سهرة مميزة على رصيف مقهى وهو يتحدث لنا نحن اصدقائه عن الكتابة والموسيقى والمقاهي يتحدث فأفكر أنها من المرات القليلة التي أقابل فيها رجل يحكي كما تحكي الأقمار في ليالي السهر الطويلة ، ويؤنس كما تفعل النجوم في الصحراء ويبهج كأقواس قزح ، واقتسام لحظات تحت المطر مع من نحب . هو يحمل في قلبه بهجة أكثر من ذلك ، وموهبة ومحبة للحياة تشي بها طاقته التي تبقى بين اصدقائه حين يغادر ، وحتى يعود من السفر ، فيضئ من جديد .
مرات قليلة هي التي قرأت فيها أعمالا أدبية تركت في روحي خواءا ،من فرط شجن ما تقدمه ، فبدى الأمر كخيط ينسج من أول صفحة حتى يحوطك تماما ،ويعيق قدرتك على الحركة . رواية " كل رجل" للكاتب الأمريكي فيليب روث ينطبق عليها هذا الوصف صدرت حديثا عن سلسلة الجوايز .. أشتريتها لأني قرأت على ضهر غلافها أن " بطلها رجل عادي " ميت" لم يكن الوصف مغويا أو ربما كان هذا هو سر رغبتي في اقتناءها ، رغبة ملئتني أن اشتري رواية لا تعدني بشئ . بيني وبين الأشياء التي لا تعد بشئ علاقة قدرية بدأت منذ درست في الإعدادي مسرحية " تاجر البندقية " لشكسبير ، وأختار أنطونيو بطل المسرحية الصندوق الرصاصي الذي لم يعده بشئ فأعطاه كل ما حلم به . في عقلي الصغير كونت وقتها فكرة أن إنتظار الأشياء يعطل مجيئها ، ابتسم الآن لأن ذلك لم يمنعني أن أبقى طوال عمري أنتظر أشياءا . رواية كل رجل تذكرني برواية جيشا لأرثر جولدن ، ورواية شيطانات الطفلة الخبيثة ليوسا . هي حكايات بشر تبدأ معهم ، وتنتهي بنهاياتهم ، فنحتاج للجلوس في مكان معتم وهادئ لنتجادل مع ذواتنا حول رحلة الحياة النابضة التي مررنا عليها الآن وأصبحت جزءا منا . ربما نتقبل الموت والحياة ،والمجئ والإختفاء ، الإشراق والخفوت في الحياة ومع البشر والنهار … لكننا نقف امامه كثيرا في عمل ادبي يعطينا الموت ، ويسهب في شرحه لنا ويتكأ على كل تأملاته . لم أنتظر من الرواية شئ ، فملئت جعبتي بثقل الحياة الرملي ، وفراغ وقسوة الموت من خلال رجل عادي لا شئ فيه مميز ، هو يشبهنا جميعا من الداخل . تمنى أن يعيش الحياة ، أن يتجنب المرض والإخفاق وان يصادف الحب . فتزوج وأنفصل ثلاث مرات ، وأنجب شابان لم يستطيعا ابدا أن يسامحاه على هجر أمهما ، أخطأ فخسر زوجة محبة صادفها بعد الكثير من التعاسة لكنه أضاعها كما نضيع جميعا فرصا واشياء تترك في قلوبنا حزن للأبد . الرواية تحكي عن ضعفه الإنساني ومرات إجراءه لعمليات جراحية كانت رهبته الإنسانية تنتقل لي مع كل مرة يعمل مشرط الجراح في قطع أجزاء منه . علاقاته مع العالم في شبابه ، وطفولته ، ومخاوف الشيخوخة التي قدمها لنا الكاتب هنا دفعة واحدة بلا شفقة من خلال عدد من الشخصيات مرت في حياة البطل وقت شيخوخته . منهم شخصية "ميليسنت كرامر " وهي امراه في السبعين من العمر مصابة بتفسخ في عمودها الفقري لم تظهر سوى مشهد واحد حكت مآساتها قبل أن تنتحر بعدها بأسبوع من شدة الألم ، وزوجها الناشر الثري الذي حقق كل النجاح والبريق في حياته ثم اصابته امراض الشيخوخه وبقى في ايامه الأخيرة كما قال الكاتب روث في جملة بديعة "بدا مأخوذا شاردا مذهولا باقتراب تلاشيه . أسرة البطل كانت تعمل في تجارة الألماس الذي قال عنه البطل جملة اعجبتني " الألماسة لا تفنى . قطعة من التراب غير قابلة للفناء،وتضعها في يدها مجرد إمرأه هالكة ! علاقات ثرية كانت في حياته مثلنا جميعا علاقته بأخيه "هواي"درجة انه عندما كان يجري جراحة ما من الكثيرات التي قام بها في حياته .. كان هذه المرة شاحبا وخائفا حتى جاء ذلك الأخ فقال " لا يمكن أن أموت و"هواي" موجود هنا" وأن وجوده جواره نقل له الرغبة في النجاه وتساءل عقب شفائه " هل هناك أبدا رجل كانت شهيته للحياة معدية مثل شهية هواي ؟ بنته "نانسي" التي أنجبها من زوجته الثانية التي أحبته بصدق ،نانسي هي العلاقة أو الشئ الذي استطاع أن يخرج من الحياة وهو مغلق كفه عليه ، في رايي لو كان لدينا شئ واحد يمكننا أن نفكر أننا أنجزناه على ما يرام فأننا لم نخسر كل شئ . كان يقول عنها انها فتاة نقية وحساسة لا يعيبها سوى كرمها وعطائها الزائد ، تخفي التعاسة بأن تشطب على أخطاء كل شخص عزيز عليها ، عن طريق المزيد من الحب . في حوار له مع نفسه عقب موت امرأتان يعرفهما وصديق من السرطان كان يفكر في أن التقدم في العمر ليس معركة ، التقدم في العمر مذبحة. وعندما فكر في انتحار السيدة " كرامر" تساءل حول قدرته على القيام بالشئ ذاته " كيف يختار المرء أن يترك هذا الإمتلاء من أجل هذا اللاشئ النهائي؟ فكر حتى ان الدعامات الست في قلبه وسوء حالته الجسدية ربما تصله قريبا لترك الحياة . لكن نانسي لا يمكن أن يتركها .. ماذا لو حدث لها شئ وهي أو طفليها وهي تعبر الطريق مثلا .. نانسي التي يحميها فقط بالرابطة البيولوجية بين وجودها وبقاءه ، ثم هل سيحرم من أبدية مكالمتها التليفونية الصباحية ! الكثير من التأملات والمشاعر بدأت بمشهد الدفن ، ثم صوت الميت الذي انتبهت الآن وانا أبحث عن اسمه لأكتبه هنا اني لم اصادفه طيلة صفحات العمل المائة وسبعين كان فقط رجل عادي مثلنا جميعا لم يعد موجودا بعد الآن تحرر من الكينونة ، يدخل إلى مكان بدون أن يعرفه . تماما مثلما خاف من البداية .


بالخجل ذاته الذي يعترف فيه رجل بحبه للنساء ، لتأجج تلك الشهوة داخله ، وايمانه بأن إمرأة واحدة لا تكفي لتلائم كل ضربات مزاجه البعيدة المتقلبة .