Saturday, February 01, 2014

و هي




لا أذكر تحديدا هل كانت رائحة البحر أم صوته !  هو ما  أيقظني فجأة من نوم قلق و وخزني في كتفي الأيمن الذي تتناثر فوقه حبات النمش ككمشة ملح سخية رشتها سيدة أربعينية في سبوع حفيدها الأول .
الرائحة أم الصوت أو ربما فقط موسيقى البيانو المنبعثة من الشرفة المواربة في فيلم " رسائل البحر " ومشهد الفراشات الذي صاحب البنت وهي تحكي عن حبيبها  الأول في نفس الفيلم .
ربما حنيني الشديد للأسكندرية ، ولذلك العتق والخلاص التي تمنحه لي في كل مرة أقف فيها بين يديها ، هي التي تفعل بي ما تفعله وتمسح على رأسي وربما تعطيني قطعه خبز وفصلا في كتاب وسكينة تكفيني حتى أعود .  
ربما ايقظني قلق غامض ، وتراكم بعض الكتابة ومقال تأخرت أكثر من عشرة أيام على إنهاءه .. وبيت جديد انتقلت فيه حديثا ولازالت إحداثيات المكان غير مرتبة في ذهني .
أتخبطت بحماس في الأثاث ، ويتعين عليّ  أن اضئ المصابيح انا التي تتحرك في الظلام بسهولة حفظها لأماكن الفوضى التي أعرفها كظهر يدي .
القلق الذي يعرف انه غير مرحب به
 .. ربما جاء مع صوت العود الذي ملئني تلك اللليلة ، وصوت حسن زكي الذي أحبه وهو يبدأ الليلة بأغنيتي المفضلة .
ربما كان من فرط الزحام الذي علق بروحي طيلة أسبوع حافل بالبشر والحكايات ، هي طريقتي في الإلهاء والتشتييت .. لكني لم اعد قادرة على المزيد أريد فقط بعض الصمت والضوء الخافت القادم من شرفتي التي أحكمت إغلاقها حتى لا يزعجني صوت العصافير القديمة .
لكن معرض الكتاب يجذبني من يدي ويربت روحي ويضع ابتسامة خرافية على شفتي ، فأحتضن كل ذكرياتي معه وأمضي
أتذكر الآن أن القلق جاء من فيلم شاهدته قريبا اسمه " هي " her  يحكي عن رجل يعمل في "كتابة الخطابات " مهنته الوحيدة أن يذهب كل يوم للعمل ويملي حاسوبة خطابات يكتبها بدلا من بشر آخرين ، رجل لزوجته وام لإبنها وفتاة لرجل ويغادر المكتب .
تنتظر منه زوجته ان يوقع أوراق الطلاق لكنه لا يستطيع لأنه يحب كونه متزوجا حتى ولو لم يقابل زوجته تلك منذ اكثر من عام ، حتى يقع في حب برنامج تشغيل على الكمبيوتر له صوت فتاة ويدخل معه في علاقة جادة حتى يهجره نظام الكمبيوتر الذي له صوت فتاة ليغادر مع انظمة الكمبيوتر الآخرى التي تشبهه والتي تقع في علاقات غرامية مع بشر آخرين .
فيلم له إيقاع هادئ وبطء ، تنتظر طوال الوقت ان تحدث مفاجأة ، الحقيقة أنا شاهدت الفيلم كله لاني توقعت في لحظة ما مشهدا استثنائيا ، حدثا مربكا يغير كل البطء والكآبة لكن شيئا لم يحدث حتى نهاية الفيلم ، الأمر الذي جعل ابتسامة سخرية تملا وجهي وكلمة قبيحة اعتدت مؤخرا أن اقولها كلما شاهدت فيلما يصنع معي الحاله ذاتها انتظر منذ الدقيقة الأولى أن يفاجئني بشئ فينتهي دون أن يفعل ودون أن أستطيع أنا ان أتوقف عن مشاهدته ، الأمر يشبه خدعة انتظار حاجة حلوة ، بينما جعبة الرجل فارغة من الحاجات الحلوة والسيئة على السواء ,

أدرك الآن أني لو كنت في حالتي الطبيعية  كنت سأتوقف عن متابعته بعد الدقائق الأولى ، لكن مشاهدتي له حتى النهاية يذكرني بجلستي على رصيف أحبه منذ أيام لأكثر من ساعتين أحدق في الشجرة التي تميل بشكل يجعلها تنظر لروحي مباشرة كلما جلست أمامها أميل رأسي قليلا كعادتي .
اجلس على الرصيف ساعتين أستمتع بالشمس وأنتظر حافلة خضراء ستجئ ذات يوم ، هو اليوم ذاته الذي مرت أمامي فيه  وأنا احتسي قهوتي بالمقهى ذاته عربة الساحر تلك التي لا تبيع شيئا يمكن أن نشير نحوه ومع ذلك تمضي امامي في موكب خرافي ، توزع وعودا وأحلاما وتخفي غموضا مبهجا خلف ستائرها الخمراء وقطع الزينة الذهبية الرخيصة المعلقة بها ، حتى صاحبها الذي يعلم انه لا يبيع شيئا يذكر أصابه السحر مثلها فمضي يوزع كمشة من الغبار الفضى الامع الذي تحتاجه الجنيات لتطير ، وأحتاجه أنا لأندهش وأضحك وأنجو من التشويش والإرتباك الذي قالت عبير في لعبتها انه سيكون طالعي لهذا العام .
الأمر الذي جعلني لا أبدي اي دهشة عندما وضعت أغنية لأبو الليف مع اغنية احبها لأم كلثوم في تراك واحد فدارا معا وبدى ذلك منطقيا ومقبولا .


أنا التي ستعتاد المشي في الظلام من جديد ، وستجرب النوم مع القلق وتنتظر حافلة خضراء ربما ستجئ ذات يوم . 

Friday, January 17, 2014

كل هذا الحزن



"وأصابني منظر البحر – عندما رأيته أول مرة – بالذهول . فقد بدا لي معلقا في الفضاء ، كأنه غول حي نابض ، يوشك أن ينقض علي."  من مذكرات شارلي شابلن
علق هذا المشهد بعقلي ، كما علقت الكثير من العبارات والحكايات والمشاهد من الكتب والأفلام التي أحببتها ، أحتفظت في ذاكرتي بالبشر وبشغف لقطات الحب الفارقة التي مدت لي جسرا رحبا من هنا لهناك ، حتى أعبر على كل الحزن الذي يملئ قلبي ، ويخطط لبقاء طويل ..
أحتفظ بصورة فتاة أجمل وأرق فتبقى صورتها هي التي تعكسها مرآتي دائما مهما تقدم بي العمر ، وخطت الحياة بصماتها على روحي .
لكني سأقف تائهة تماما ، عندما أشعر في روحي بتساوي لحظات الفرح بالحزن ، الإنتصار بالإخفاق ، بهجة الميلاد وصدمة الموت ..
صوت ضحكتي وهي تتفاوض مع دموعي حتى لا تزاحمها وتسقط فيبدو المشهد عبثيا ومربكا ، حرف الام الذي تعطل على لوحة مفاتيح " الاب توب" وصار عليّ كلما ضغطت عليه أن اخرج من حالة الكتابة لأتأكد أنه دق الحرف على الورقة ، وأفهم ان الحرف تعطل ليخبرني بطريقته أن لوحة المفاتيح أشتاقت دقاتي عليها .
 أشعر بشرود غريب في روحي ، أتوه في أحلام يقظتي وأقابل بشرا لا أعرفهم في منامي ، وتنبئني العرافة أن حظي هذا العام سيميل نحو شئ جديد ، لا أعرفه ولا يخطر بعقلي .
فأعرف أن شيئا سيفاجئني ، وأعرف أن الفرح بعيد ، ولا شئ قادر على هدهدة روحي التائهة .  
وأني ارغب أن يكون طوطمي لهذا العام هو حجر صغير تلمس قاعدته رمل البحر وسطحه غارق في رشرات الماء المملح وحوله صوت الموج والصمت .. هذا العام سيكون ملائما أن تكون حجرا صغيرا قادرا أحيانا على الذهاب للسينما ومشاهدة أفلام بمفرده لأن " تذكرة سينما واحدة / وحيدة " تبدو ملائمة تماما لرغبته  في البقاء صامت .
حجرا يقرأ كتابا أعجبه لون غلافه الوسط بين البنفسجي والوردي ومكتوبة عليه " فنّانة الجسد" لدون ديليلو .. كتاب لم يرشحه له أحد ، ولم يشجعه شئ على شرائه .
الكتاب ابتسم لي وتعلق في يدي في طريق الخروج من المكتبة ، الكتاب الذي تعلق بيدي ولم يخذلني لأن حكى لي عن إمرأة وحيدة تحيا في بيت خشبي مع شبح .
الرواية تتحرك بهدوء وحزن وتلمع عبارات من حين لآخر لتمنح قاربي المرتج وسط العاصفة بإشارات نجاة .. حين قالت الرواية " أنا الذي يجب أن يشتكي بسبب رعب يوم عادي آخر "  أو جملة تضخم أنينها  عند القراءة الهامسة وتردد صداها في تجويف روحها " لكن العالم كان قد ضاع داخلها "  ثم ألقتها جملة آخرى داخل حضنها حيث استسلمت تماما ولم تقاوم دموعها عندما قالت لها الرواية " وكيف أن كلمة وحيد تشير إليها وإلى المنزل وكيف أن كلمة بحر تعزز فكرة العزلة لكنها توحي ايضا بالتحرر"
الليلة كانت باردة وأنا كنت وحيدة كما أنوى أن أكون هذا العام بطوله ، لأستجمع كسرات روحي ، وأخرج الضوضاء التي دخلت عنوة تحت جلدي فأفسدت هدوءي المحبب ، وبعثرت محتويات الحجرة فلم يعد هناك كرسي خشبي هزاز يمكنني أن اجلس عليه وأنا اسمع الموسيقى التي تسبق بدء الكتابة ، لم يعد هناك ركن للكتابة ولا مكانا للكتب بعدما أشترى رجل غامض أخشاب مكتبتي ليصنع عربة يد سيبيعها لرجل قد اصادفه يوما وأنا امشي جوار النهر يبيع البطاطا وأقف جوارة بخجل قديم من التعامل مع الباعة الجائلين يمنعني من شراء قطعه منها ، سأقف هذه المرة ليس لأجل دفء ورائحة البطاطا المحبب ولكن لأني أعرف خشب العربة من حياة أخرى .  
سأدخن سيجارة في حجرة قديمة ، واستمتع بها ، وفي عقلي يدوي صوت رجل أعتاد ان يسبني كلما نفثت سيجارتي ، سأسمع صوت سبابه وصوت ارتطام شئ بشئ ويلمع في ذهني صورة كوخ العبيد في رواية الجذور ، كنت هناك طوال عام وعندما غادرت كانت آثار السلاسل الحديدية تصنع تجويفا مرعبا يعبر من هنا للجانب الآخر .
هنا في الحلم القديم ، ومع شبح بنت قديمة وبحرف لام معطل في لوحة المفاتيح أجرب أن اصبح حجرا صغيرا هادئا يمر العالم بضوضاءه حوله ولا يؤذيه شئ أبدا بعد الآن . 

Sunday, July 21, 2013

عشيقتي السرية






لا شئ غير الحنين وربما كلمات محمد عبد النبي الحماسية التي يكتبها على صفحته بالفيس بوك  ليذكر نفسه بضرورة العمل – الكتابة – هو ما سحبني بنعومة اطياف الأحلام لصفحاتي البيضاء والملونة بمسودة أولية لفصل قديم في روايتي التي بدأت فيها منذ خمسة أشهر ، ولم أنجز الكثير .
توقفت عن الكتابة ، لأن مغناطيس الحياة يؤثر على إبرة بوصلتي ، يشوش على طقوس الكتابة التي أعرفها ، الكثير من الوحدة والهدوء الخرافي ، الوقوف على حافة العالم الحقيقي وتحسس الطريق في الظلام نحو السحر .
عندما كانت الكتابة عشيقة سرية / معلنة في ذات الوقت كانت علاقتنا أسهل .. هي تملكني ،  تمنحني بقدر ما تستطيع ليس بيننا وعود عظيمة ولا علاقة دراماتيكية تنتهي بكسر القلب والفراق او خيانة اي منا للآخر .
نحن معا ، تمسك يدي ونمضي نختبر الحياة ونكتب ، يحب الناس ما نفعل أو يكرهوه ، يترك البعض تعليقات ساخرة أحيانا عن طبيعة ما أكتب ، وندخل في جدل يتطرق لأمور مخترعة مثل منهج الكتابة النسوية ، وخط السيرة والتكرار والفخ وهكذا ، ونتجادل انا وهي ، أخبرها بإحباطاتي وجنوني ، تهدأ روعي ، وتحتضن كل ما أوجعني وتمنحني حكاية ونصا والكثير من الأحلام .  
الكتابة التي منحتني الكثير .. منحتني وطنا خرافيا يكون ملاذي في كل ايام الحزن والبرد ، منحتني طبعات من كتب ، وجائزة ، وحبيب .
منحتني رسالة سلام وفرح لم أجربه ابدا إلا معها .. لكني أخفق في التواصل معها الآن ، أخذلها كثيرا ، اتهرب منها لأرتب ورودا في زهرية البيت ، لأصنع طعاما لرجل احبه ، أهرب منها حتى لأدور في بيتي ، أحفظ كل ركن فيه ، أنقش ذكريات سأحتاجها في سنواتي القادمة ..
ابتسم الآن وانا ارى أشيائي الجديدة تتواصل معي وتسرسب لي الحكايات كما كانت تفعل أدوات مطبخ امي التي ورثتها ، تشوش هذه الحكايات بصوتها وغوايتها على ولعي القديم والأبدي بالجلوس في مكان هادئ قرب الفجر بقليل لأكتب .
أكتب حتى توقفني شخصيات كتابتي ، تربت يدي وتمنحني عتق ليوم جديد .

في الشهور السابقة كانت الكتابة وشخصيات الرواية يتجولون خلفي في البيت ، يمرون خلفي تماما  ، يدخلون معي في نفس اللحظة التي أعبر بها  من باب المطبخ ، أشعر بثقل وجودهم يمكنني إن مررت ابطء من حركتي العادية أن أصطدم بهم  
ومع ذلك واصلت الهروب وتجاهل انين متبادل بين أرواحنا . كنت اهرب من الكتابة لأن شيئا في روحي معطل ، شي لا أعرفه لكني أعرف أني ومهما قالت كتب الكتابة عن ضرورة الجلوس يوميا للعمل وإضعاف فكرة المزاج والهوى فشلت في تلبية النداء انا التي تحب الكتابة  ولا يمكنها  مبادلتها غراما ناقصا .

منذ أيام طويلة هدات الضوضاء ، وتلاشي الزحام الخرافي و غاصت الشخصيات داخل الورق ، غابت من وجودها المجسم لتتحول لحروف مكتوبة بقلق ، وحزن ..
كنت أفتح الورق وألقى عليها نظرة وهي تشيح بوجهها بعيدا ..
أنا اتظاهر بالكتابة ، بينما افكر في ألعاب أخرى لا تخص الورق ولا الكتابة .. تنغمس كلها في الحياة التي اكتشفت أني لم اجربها ابدا على الورق وأن ما يحدث لي منذ ارتدائي خاتما عليه اسم رجل احبه ، هو مربك ومعقد ، ولا يمكن لنا انا والكتابة ان نفهمه ونقبله بسهولة .
وان أختبائها مني ، وهروبي منها لن يحسم خياراتي في العالم لأنها ليست ندا ولا معادلا موضوعيا للبيت ولحياتي الجديدة .

أيتها الكتابة أنا وانتي فتاتان كبيرتان بيننا الكثير من المشاكل ، والحب
أنا جاهزة الآن تماما لجلسة صلح طويلة ، يدفعني نحوها الشوق والوله وكل الحنين .



Friday, July 19, 2013

احجية العتق

  



مثل الطريقة التي تنبت بها زهور الياسمين ، تنبت الكتابة في قلبي
زهرة الياسمين تولد كل نهار جديد ، مكتملة وفاتنة .. تغويني لأقطفها فينبت في قلبي شعور مزدوج بالفرحة والقلق .
 فرحة استمتاعي بزهرة فواحة بيضاء نقية ومبهجة وقلق وانقباض أن تكون الأخيرة .
مثل الطريقة التي ينطفئ بها جمال البحر في المساء ، ينطفئ شغفي بالأشياء وبالعالم ،  ينسحب قوس قزح ، ويترك عالمي رمادي شاحب .

اتذكر مشهد قديم .. في ركن ذاكرتي القديمة ، تبحث فيه بطلة عرض مسرحي عن " كلمة " كل ما تعرفه انها لوتذكرتها سيتغير حالها ، هي المكسورة البائسة المحتجزة رهينة في بيت رجل ما
لا أذكر غير انه كان رجل يشبه كل الرجال المرضى – المختبئين في قصص الثراث في رمز الثعلب او الظلام –
البطلة كانت مشعثة وفي عينها نظرة جنون ، تبحث بدأب داخل عقلها عن الكلمة ، يعطلها صوت بكاء طفل جاء في ليلة حب مغتصبة ، وملابس متسخة ورائحة بقايا طعام وهي لا تهتم تبحث عن الكلمة ، تركض داخل عقلها

أواجه الآن مأزق تشبيك الفقرات السابقة ببعضها لأداري الفكرة التي أرغب في كتابتها أو ربما  لأفضح فكرة تبدو كبش فداء ، سأقتل فكرة على عتبات هذا النص ، لأخفي فكرتي الأصلية
سابحث مع بطلة العرض المسرحي عن كلمتها االناقصة ، لترد لي هي المعروف وتبحث معي عن فكرتي المختبئة .

في افتقادي لقوس قزح الذي يمس روحي فيبدل ثقل العالم لخفة وأحلام ، وابتسامة من القلب ، وحلم برجل لا يجئ .. لا يدنو من الأرض .. لكن أنتظار مجيئه يكفيني لأمس النجوم .
رجل آخر غير كل من اصادف ، ويخدش جسدي بكلمة أو نظرة .
رجل لا يمارس الوصاية فيشعرني بعاهتي الإفتراضية ، وآخر يجعلني استدعي كل أفكاري في ورشة الكتابة النسوية عن القهر والموت والقسوة في قلوب الرجال .

أفكاري التي تغرس نصلا حادا في هدوء سحابة قطنية أجرجرها خلفي من حجرة لأخرى بعدما سقطت من السماء في ليلة خذلها فيها قمرها .
السحابة تنزف دما بشريا وتترك بقعا على حاجياتي ، وبدلا من ان أعالجها .أو أحكي لها حكاية .
أجلس جوارها على الأرض أبحث مع  بطلة العرض عن الكلمة المختبئة في عقلها ، والتي حال تذكرتها تحررت من سجنها .


Monday, May 27, 2013

يوجد بالداخل شرابات كولون للبنات




يملئني شعور غامض بأني سأكتب نصا لا يجب عليّ كتابته .. ربما لأننا – أنا وكتابتي – نتحرك في طرقة ضيقة يمكن لكل منا أن تلمس بيدها مؤخرة الأخرى إذا درنا بحركة خفيفة أو أن تضع يدها على صدري بالطريقة ذاتها التي تضايقني وتؤذيني لأني لم اشاهدها تحدث في اي من قائمة الأفلام الرومانسية التي أحبها ، انا والكتابة نستحم معا ، وترتدي أي منا ملابس الأخرى بعد الوصول من الحمام لحجرة المكتب الخرافية ، انا وهي نرتدي ملابسنا على عجل في غرفة المكتب الخرافية لنبدأ العمل أو اللهو .

لنبدأ الخيانة كما يسميها رجل باهت في ذاكرتي ، الرجالي الذين يظهرون في الذاكرة على شكل شخبطات رمادية مشوشة لا يمكن ان نأمن جانب وجودهم .

لاشئ حقيقي يثبت انهم كانوا هناك سوي بعض الخيالات وكأس آخر جوار كأسي ذو أثر ملمع الشفاه على جانبه ، لاشئ ربما كدمة بائسة على حافة معصم اليد من الداخل نرتبك في سببها هل كانت قبلة رجل أم سن إبرة الممرضة وهي تسحب قطرات دماء تكفي لثلاث انابيب لأن طبيب التحاليل يطلب الكثير مثل مصاص دماء مبتدا عليه ان يشرب الدم من انبوب الأختبار ، لان أنيابة لم تستعد بعد للغرس في الجسد . 

لا يجب عليّ كتابة نص يتلامس مع جسدي في عشر مناطق على الأقل ، ويفتح للرقيب الذاتي الذي تسلل لروحي منذ فترة لأن ينظر لي نظرته المقيتة تلك ،ويسألني هل ما تكتبينه لك أم لبطلة خرافية .

أردد الآن بتلقائية كلمة بذيئة ، اوجهها في سري للرقيب ،اسمي عضو امه بلا حياء ، أسميه فقط واعتبر مثل تراثنا الشعبي كله أن تلك إهانة بالغة .



اترك كل ذلك ورائي وأكتب نصي ، وانا افكر في شهادة الكتابة التي كتبها احمد الفخراني منذ أيام وقال فيها ما معناه انه ترك مساحته الآمنة في الكتابة واتجه لمكان آخر بعيد عن التصفيق مكان يتسع لحبات الطماطم والبصاق .. لماذا لم اذهب لهناك وأكتفيت طوال ست سنوات مرت على احترافي للكتابة باللعب في منطقتي الآمنة التي أحبها !



ربما فقط لأني أحبها – ربما- لكن ذلك ليس عذرا .



اكتب على صفحتي على الفيس بوك كلمة " كل يوم " واصمت كنت اريد ان اقول أني عدت أشاهد فيلم " يو هاف جوت ميل " ميج رايان وتوم هانكس كل يوم .

عدت لتلك العادة السيئة التي لازمتني عامين ، وأقلعت عنها بعد .....



لم أعود للمشاهدة مرة واحدة ، في البداية قاومت الأمر لأيام ، ظل يلح وانا اقاوم ويلح وأرفض ويلح وأهز رأسي علامة التأكيد على الرفض ، في اليوم الأخير للصمود شاهدت إعلان الفيلم على شاشة إحدى قنوات الأفلام اعتبرتها إشارة وعدت لعادتي السيئة تلك .

الامر يشبع العودة للتدخين بعد قرار الإقلاع ، او تناول طبق مكرونة اسباجتي بالصوص الأبيض والتحلية بأيس كريم زبادي توت بعد أيام من إتباع حمية أو النوم مع رجل لا تحبيه من باب تمرير الوقت وكسر الملل .



كنت أريد أن اكتب عن حلم يراودني ، أحلم أني بطلة جزء من افلام سو ، تلك الافلام الرديئة التي بها الكثير من بتر الأعضاء والدم والكلابشات الحديدية .

في الحقيقة لم احلم بذلك لكني شعرت أني أمر به في الواقع .. كنت صاحية تماما ليس حلما .



لكني أردت بعض الإثارة للنص الذي لم يبدأ بعد ..

إثارة تشبه المشي عشر شوارع للإتجاه لمحطة اتوبيس تعرفت عليها حديثا ، وقفت هناك لإنتظار اتوبيس جديد أنا على علاقة غير جادة به ، اخون معه كل وسائل تنقلي السابقة .



في الطريق من الجريدة للمحطة البعيدة عن البيت والمقهى وكل شئ ، صادفت محلا جديدا قلت لنفسي سأجرب القهوة هناك يوما .. كنت امشي أعمق من كل المرات السابقة كنت اسمع وقع اقدامي على الارض ، كانت الشوارع اليوم بدون سبب شبه خاليه ، استقبلتها كانها لي وحدي دببت على الأرض واستنشقت الخفة وبعض الحزن .

وقرأت لافتة مكتوب عليها " مطلوب أنسات للعمل ، وأخري جوارها مكتوب عليها يوجد بالداخل شرابات كولون بناتي )

قرأتها ومضيت ثم رجعت خطوات للخلف لأتأكد من هجاء كلمة كولون ، تأكدت انها صحيحة .. انزعجت قليلا أن هوسي  بالعد انتقل لحروف الهجاء .

عندما وصلت للمحطة كان الميدان خاليا مفروشا بمخبوزات مقرمشة والكثير من عيدان العسلية الملونة الطويلة التي تشبه اعواد القصب ، توقف أتوبيس وردي يرتدي محصله بدلة بنفسجية ، ويبتسم سائقه لي ، أصعد للحافلة وافكر اني سأعيد كتابة النص لأحكي ما وددت في البدء قوله ولم أكتبه بعد .
 


Wednesday, May 08, 2013

عن الكائنات المستديرة




 لم أكن أتخيل أن حقول زراعة الأناناس مبهجة هكذا ، كانت صورتها على ايميلي ارسلها لي صديق يعرف شغفي بهذه الفاكهة الإستوائية ..

يوم ما سأواضب على جلسات للعلاج النفسي ، ساجلس أمام الطبيب وأخبره أني أخاف من كل الفواكه التي لها قشرة كبيرة .. أخبره عن فزعي من البطيخ .. اخبره عن سنوات كفاحي لقهر ذلك الخوف .. أصدقائي يبدلون جلساتهم معي في المقهى للداخل إذا مرت عربة بائع البطيخ ، يقطع طاهر حديثا جديا دائرا ليهمس لي " بألا أنظر خلفي " وأفهم من طريقته أن ثمة بطيخ خلفي .. يبدل أبي مكانه معي اذا مررنا في الهايبر جوار سلال البطيخ ، ويسمح لي أن اسرع خطوتي قليلا حتى لا تنال مني إحدى تلك الكرات الخضراء الشريرة .

حتى زوجي الذي أخبرني أكثر من مرة عن رغبته في اكل البطيخ ، كلمات تشبه تعرفي البطيخ ده لطيف وحلو .. انا التي تقابل كل تليمحاته عن دخول تلك الكرة الخضراء للبيت بصمت ، فاجئني ذات يوم بان طلب مني ان أدخل يدي جيدا داخل التاكسي لأن على بعد متر منا توجد عربة تبيع البطيخ .

ضبطني منذ أيام امسك بيدي واحدة كنتلوب ، واسمع دقات قلبي وانا أغرس السكين فيها متساءله ما الذي ينتظرني في الجانب الآخر من القشرة لم اكمل تقطيعها تركتها في الطبق وتحاشيت التعامل معها باقي اليوم وفهمت أن عدوى البطيخ انتقلت لي ّ

في الشتاء وكلما قشرت برتقاله اتساءل ماذا ساجد داخلها ، وتفاجئني دهشة حقيقية في كل مرة أجد برتقال داخل القشرة ، يحدث ذلك مع البيض أيضا .

سأخبر الطبيب وانا ممدة امامه على الكرسي أني أخاف من الاشياء المدورة ذات القشرة ، وأقاوم كثيرا لكن الرهبه تتسلل لقلبي .

الاناناس نجا من تلك الحالة ، في المرات الاولى التي تعاملت معه فيها كنت احتاجه لوصفات هندية ، هناك الكثير من الأناناس المشوي في تلك الأطباق ، وهناك حلوى الكيك بالأناناس المكرمل وأنا احبه بصفة شخصية أحب أن آكله على الرصيف أمام الهايبر ، أجلس على التل الصغير عند مدخل المدينة واكل الاناناس وابتسم واسمح للهواء ان يداعب وجهي وشعري ... لا  يكتمل طقسي ذلك دون دوائره الشفافة الممتلئة بالعصير الحلو .  



البنت التي تشبهني ، تغيب كثيرا كلما ملئني الحزن ، وعصر قلبي فسال منه عصير حلو يشبه في طعمه حليب جوز الهند . لا يشبه الحزن شيئا سيئا .. الحزن هبة الحياة لنا

الحزن يمنحنا بعض الصفاء لنكتب ونهدأ ، ونسمح لانفسنا بالجلوس على طرف ندف السحاب نصطاد قطعا زرقاء من السماء لنصنع منها تعاويذ الحب لرفاقنا ، الحزن يسمح للعالم ان يمضي أبطأ حتى نراه .

هناك نرى غلالة المحبة الكثيفة التي يغطينا بها الأصدقاء ،وقناة فتافيت ، ومسابقة ماستر شيف التي غادرتها أمينة أخيرا بعدما صنعت طاجين السمك وحلوى الارز بالحليب .

البنت التي تشبهني تكتب نصا عن الفاكهة المستديرة التي تخفي في قلبها وحشا ذو أسنان حمراء ، تماما كما يتخفى الشر داخل البشر .

البنت نفسها تترك مقالا عليها أن تتمه ، وحلما لم تكمله بعد ، والكثير من المخاوف التي تعرف انها لابد أن تتحاوزها لتحيا تترك كل ذلك وتجلس على طرف السحابة وفي يدها تليفونها المحمول حيث تلعب لعبة المكعبات الصغيرة التي توجع عيناها وتفكر في انها سعيدة جدا لأنها تعلمت طريقة منزلية لعمل " الساور كريم " وليس عليها الآن عندما تذهب لتشيلز أن تطلب الطبق ذاته فقط لأنهم يقدمون معه سلطانية صغيرة حمراء بها الساور كريم .

وتفكر أيضا انه في المرة التالية التي تمر بها جوار البطيخ علها أن تلسعه على صلعته وتفر هاربة .وتعرف انها في النهاية عليها أن تجلس لتقرأ الكتب التي وضعتها في صف قصير أمامها وان تجهز المقال الذي تنوى كتابته قبل ان تعاود الجلوس على الكنبة الخضراء جوار والدها قبل أن تبتسم قليلا وهي تسرق الريموت وتحول الفيلم الذي يشاهده  لقناة فتافيت .


Sunday, March 24, 2013

حفرة أليس



-->
يخيل لي الآن أن العمر طبقات رقيقة  من العجين مرصوصة فوق بعضها لتصنع في وقت لاحق رقائق متداخلة من الفطائر أو السمبوسك .
بالخبل ذاته الذي أرى به الطبقة الرفيعه من العجينة وهي تنضج وتخرج عن حيز الإناء ، أشعر بذكريات العمر وهي تفيض عن القلب ، تغرق جوانبه مثل ما يعلق من الشمعه المحترقة على الجوانب لينجو ذلك الضوء الخافت الذي يكفي لنا حتى لا نتعثر ونموت من الوحدة والخوف .
العمر وذكرياته وما يمتلأ به القلب من البشر والحكايات والحب والأحزان .
بهذه الأشياء نصنع تاريخا ونرحل وقد تركنا بعض الآثار على الرمال قبل ان تقوم عاصفة زمنية جديدة وتمحو كل الرمال ويجئ بشر أخرون ينقشون من جديد . 
عندما أسند رأسي للخلف بالطريقة ذاتها التي أفضلها ،لحظة كتلك انفصل بها عن الموجود والواقع  ..
أنفصل قليلا لأعود ..
في لحظات الغياب تلك أعدد السنوات ولحظات العمر ، واسمح للخصلات البيضاء التي سرحت بلا خجل على مقدمة شعري أن تغزوه في سلام .. أخبرها أن تجئ وتبقى وابتسم لها في المرآه لأنها تذكرني بما اكتسبته من الحياة ، بما وخزتني هي به .. وبما منحته لي وما سرقته مني وتركت  انا معه جزء من روحي وقطعه كبيرة من قلبي .
أتذكر أن تمارين الفقد ، لا تعني بالضرورة التعود على النسيان ، وأن مصادقة الحزن لا يعني أبدا اننا لم نزل ضعاف امام ضرباته .

انا التي تعدد طبقات العجين وهي تحشوها بوصفاتها التي تسرسب القلق على الكتابة  ، والخوف من الغد ، والاحلام التي تعدها للقادم من بعيد .
انا تلك استيقظت هذا الصباح وقد هاجمها كل الحنين ،لا شئ يشبه ألم يوم عيد الأم كل عام .. لا شئ يسد ثقب روحها الذي ينزف بلا توقف .
هذا العام تجيئها مكالمة من ابيها وصديقها القريب يخبرها كل منهما بلا اتفاق أنها مثل أم صغيره – وأن العالم أحلى بها – وهي تصدق ذلك لأن شيئا في داخلها ينتعش بالمحبة ، يزدهر مثل حبه نبات الحلبة المزروعه في قطنة ، لم ترى ازدهار نبت حقيقي ، ابنة المدينة الساذجة لا تعرف عن النبت غير ذلك النبات البائس من الحلبة والقطنة في علبه بلاستيكية .
لكن ذلك النبت يكفي قلبها ليخضر من جديد بلا وجع .

بالأمس قرأت مقال لكاتبة تحب كتابتها ، وتحبها بشكل شخصي رغم انهما لم يلتقا سوى مرة أو مرتين .. لكن ثمة خيط ممتد بينهما .
كانت ياسمين تنعي مدونتها ، تخبر في مقال غاية في العذوبة أن الموقع قرر إغلاق المدونة ، أفسد هذا الخبر مزاجي تماما ، ملئني بالخوف .. ماذا لو حدث ذلك ايضا مع كراكيب
في الصباح امرر عيني على مدونتي وابتسم لكل تدوينة ، واخبرها اني اتذكر كل شئ ..
أني اذكر كل كلمة وكل حكاية وراء الحكاية .

سحبني ذلك لهناك .. للفتاة التي كنتها وهي تخطو هنا في أرض الأحلام لأول مرة ، بالرعب والفضول نفسه الذي كان لدى أليس وأرنبها وهما يقفزان في الحفرة .
أذكر صداقاتي الأولى في الوسط الادبي ، والطريقة التي تعرفت بيها على أصدقائي والكتب التي بهرتني والبشر الذين بدوا لي وقتها مثل رجال الكوتشينة الذين يعملون لدى الملكة الشريرة ، الرجال الذين يصبغون الورود البيضاء باللون الأحمر لأن الملكة قالت ذلك .. قابلت ورودا مصبوغة ، وقابلت زهورا نادرة احتفظ في قلبي بعبيرها وبعض الخدشات من الشوك لازالت تترك اثرا في يدي .
أتذكر الصديقات ، ولقطات المرح الكثيرة ، والحزن وفناجين القهوة وقطع الشيكولاته ، وحفلات التوقيع ، وكل من قابلت وكل ما تمنيت أن اصادفه أتذكر كل شئ ، واتمتم لنفسي بأني فتاة محظوظة دخلت بلاد العجائب وخرجت بالألوان والألعاب والفوضى والمحبة ومفتاح المدينة السحرية ، حيث يمكنني طوال الوقت وكلما شئت ان اعود لهناك أسند رأسي للخلف قليلا وأدخل حيث انتمي وأحب .


Thursday, December 27, 2012

أبيض لون الفرح



أخطط للكتابة عن 
اخطط للكتابة ، ولا اعرف عما أكتب ..الحقيقة أني اسمع صوت لحن كتابتي في أذني معظم الوقت لكني لا امسك جملة موسيقية .
لا يحرضني كل ذلك الجنون والسياسة المقيتة على الغضب .
ربما أغضب لكن ذلك الشعور لم يكن محركا ابدا ، ولا دافعا للكتابة ..
الحب والحزن هما ألواني التي ارسم بها جدارية حياتي .. لاشئ  يمس شهوتي وشغفي للكتابة قدر الإحساس العميق بالفقد واللقا
بالحب وغيابه ..

لا تحرضني قطعة المشبك التي يخر منها العسل في يد موظفة الشهر العقاري التي جلسنا أمس ساعة ونصف ننتظر أن تفطر وتحلي بالمشبك هي وزملائها ثم يفردون سجادة الصلاة لصلاه الظهر بعد وقتها بساعتين .
لم يحرضني ذلك على الكتابة .
لكن وداع العام مشهدا مهيبا ، يكسر كسلي وتوتري . ويعزف لحن يخصني في الهواء
أنا التي اعتادت أن تفتح فيلم الساعات وتترك النساء الجميلات داخله بكل حالات اليأس والإنتحار والعبوس والحب والألم داخلهن ، اترك كل ذلك واعيد مشهد الممفتح مائة مرة .. صوت الماء يتحرك في النهر ..
صوت يجتاح المشهد والصورة ويقطعه صوت فيرجينا ولف وهي تكتب لزوجها خطاب إنتحارها .
أقف هناك واعيده مرة اخرى ، وفي المساء أجلس جوار محمد على الأريكة وأمسك بأناملي طرف أنامله في حنان طفولي وأطلب منه وانا منهكة ان يستمع معي لصوت الماء ثم الصمت .  

محمد الذي يبدو قاسما جديدا ومشتركا في كل احداث العام الأول لوجوده في حياتي .. لازلت استيقظ كل صباح فألمس خاتمه واشعر بحروف أسمه تمس جلدي فأنتبه انه حقيقي ..
العام الجديد ، ومحمد ، وايام تفصلني عن أن ارتدي فستان الزفاف كلها تجعلني أتشبث بالصمت . صوت دقات قلبي الذي يوقظني في ساعات متأخرة من الليل لأجلس على طرف الفراش وأتأمل العالم والحياة
فأكتشف أني مشوشة تماما .. سعيدة بخبل .. ومشوشة في حالة فوضى مثل الطرق في مصر بعد عشر دقائق امطار .

أفكر اني ارغب في الكتابة عن مشاعري ومخاوفي .. عن رجل احبه . وعن بوابة كبيرة ساعبر منها نحو الغد .. فلا اعرف ماذا اكتب ولا لم !

عقلي  يعرض لقطات بتقنية سينمائية يستخدم المونتاج والفوتو شوب .. لقطة من هنا ولقطة من هناك .. نهاية العام التي توصمها ذاكرتي بذكرى رحيل أمي السابعه .

احتفالات اعياد الميلاد .. والبرد الذي يعيد تجسيد الفقد والحزن في قلبي .. مشاهد كتبتها كثيرا وحزنت بسببها سنوات .
قاومت برغبة خالصة في الفرح ، وبقلوب تمنحني دفقات الحب بلا حساب .. لكن شيئا من كل ذلك لم يغير من الحياة التي تسكن ذاكرتي .

الموت الذي كان وسيبقى رفيقا للميلاد
استعدادات ذكري أمي التي تجئ قبل يومين من ميعادي للبروفة الأخيرة  لفستان زفافي .
في مشهد عبثي اسمعني أردد لنفسي إني ساذهب يوم الاثنين صباحا للمقابر وبعدها بيومين لتجربة الفستان.
كل تلك الفوضى تؤلم روحي وتملئها بالحيرة والحزن والفرح .
حنيني لبيت ابي ، وشوقي للبيت الجديد بيتي ..
وحدتي واوراقي ووسادتي .  وشغفي بمحمد ومحبته المفرطة
الدموع التي تسيل من عيني في كل مناسبات السعادة والحزن بذات القدر والحماسة
الغد الذي يحمل لي أحلام العمر ويمضي مثقلا بأوجاع القلب

الغد الذي أنتظره برهبة لم أجربها أبدا ، فأزيح كل ذلك جانبا وأترك لله تدبير الأمور ، وأضغط زر التشغيل لينساب صوت الماء قبل أن تقطعه فيرجينا وولف وهي تكتب لزوجها خطاب الإنتحار .

Friday, November 30, 2012

دائرة الرمادي



لا يذكرني صوت فيروز بأحد غير صديقتي البعيدة عني بمقدار سفر ساعتين بالطائرة . لم نسمع معا فيروز أبدا .. لكن صوت فيروز يذكرني بها .
ورائحة الشتاء تذكرني بالفقد – ما أفقده يذكرني دائما بما لديّ .

هدوء الحزن أفتقده كثيرا ... الحزن الصاخب يؤلمني ولا أحتمله ويكون لزاما عليّ أن انام نصف شهر كي أتخلص من ازيزه في رأسي .
الحزن الصامت يتعايش معي ، وأحتمله .  
لكنه ثقيل على قلبي .. تتجمع في رأسي حيل البهجة لكني لا أجد رغبة في شئ .. سوى التلوين .. أشتري خمسين لونا من الشمع والخشب وافتح كراسة تلوين جديدة .. كنت قد دسستها وسط شوار العروس الذي كنت أشتريه طيلة العام الماضي . الآن يمكنني أن اهدأ وأفتح الصناديق واخرج ما يحلو لي لأستخدمه .
كراسة التلوين هي ما ألحت عليّ ، درجة أني عرفت مكانها بمجرد ان نظرت لأكوام الأشياء المكدسة فوق بعضها بفوضى مقيته .
أجلس بها على الأرض وابدأ في صبغ الرمادي بألواني .. وأتذكر بسبب ذلك الطقس لمقاومة الحزن .. كل أحزاني السابقة التي تخلصت منها بالطريقة ذاتها .
ابتسم بسخرية كيف لطريقتي للتخلص من الألم أن تصبح نقطة يتجمع عندها كل ما أوجعني !
لكني أكمل دائرة التلوين ، رائحة الشتاء ، وفوضى العالم من حولي ، وسخافة وعبثية المشهد السياسي الوقح .
وانوار التحرير التي تشبه ليله صلاة مباركة .
مناقشاتي القليلة مع بعض المقربين حول " اختفاء الخاتم الذهبي من يدي " .. طلب صديق ألا أتحدث عن الأمر على الملأ .. وطلب هبه الا أكتب عنه .
وسؤال ياسمين لي في برنامجها الإذاعي على الهواء .. هل تفشي الكتابة أسرارك !
وبؤس النساء في العالم !
كلها أشياء تجعلني أفتح الورقة البيضاء وأغلقها عشر مرات قبل أن أكتب حرفا جديدا ، لكني خوفي من الكتابة يحرضني على الكتابة .
وفقدي للأشياء يضي لي كنوزي .

الحزن الذي علمتني الحياة إنه يتبدد .. والأصدقاء الذين يرسمون على روحي ابتسامات محبة .. وأبي الذي أختفي في حضنه بلا ذرة قلق واحدة .. وكتابتي التي تحملني لأمس السحاب الأبيض الذي أحبه .. وقلبي الذي يعدني بالمزيد من الفرح والمعجزات .
أطبق يدي على كل ذلك وأمضي .

Friday, October 12, 2012

في صحبة الأشباح


موبان
ديساي
الطريقة التي  أراقب بها دقات قلبي وهي تتسارع عندما أكون في حالة كتابة .. أقصد بذلك الخطوة قبل الأخيرة لفتح صفحة بيضاء واستبدال كل القطع المعدنية التي جمعتها من العالم – من أرضية الشارع ، وسقف الحجرة ، وشنطة بلاستيكية لمتسول – استبدال كل ما جمعته من الحياة ومن ذاتي المخبولة .. بقطعة كتابة .
يتسارع قلبي لحظتها بنفس وتيرتي حال قفزت من جبل شاهق بمظلة لا تعمل جيدا ، خفق يشبه هياجا حسيا طارئا تنهيه بعض القبلات وغرس ناب سحري في رقبة حبيب وارتشاف بعض الدماء وملامسة مؤخرة ممتلئة وساخنة .
خفق قلب مميز ومختلف ، مرتجل ومحدد في ذات الوقت .. يخص فتاة في حالة حب وشغف بالكتابة .. تنتظرها بالساعات على مقعد مواجه لفراش في حجرة غير منظمة    ، أجلس على الكرسي اتابع دقات بيانو في أغنية أحبها ، وارتب أفكار الحكاية في ذهني . وأقرأ باستمتاع ترجمات لبعض الاصدقاء . فأشعر بالدماء تصعد نحو قلبي ، بنشوة الجمال والعزلة ...

بسبب إعلان جائزة نوبل في الآداب أمس لكاتب صيني هو " موبان " معنى اسمه "
 لا تتكلم ، صورته في موقع ويكيدا مثيرة للتأمل ، بإمكانك أن تحذف التأمل وتكتب بدلا منها ما يحلو لك .
موبان الذي نشر احمد شافعي حوارا مترجما عنه ، عرفت منه انه يحب النساء القويات وأن له رواية أسمها " نهود ضخمة وأفخاذ عريضة " له روايات أخرى كثيرة ، لكني ضبطتني على مدار اليوم بأكمله اردد اسم الرواية وابتسم .. حتى قلت لنفسي بصوت أعلى قليلا من الهمس " لو كنت في لجنة نوبل لمنحته الجائزة على اسم هذه الرواية وحده "
أفكر الآن هل أصبح واجبا عليّ أن اعتذر كل يوم ساكتب فيه نصا عن الموسيقى والكتابة وبعض البهجة عن رغبتي في احترام عزلة الكتابة رغم ما يحدث في ميدان التحرير ، رغم الثورة والدماء ومرسي وصناديق الإقتراع والحماسة التي تليق بأهلها ، وعن الخيبة والفشل الذي ينكره أهله !
لا اعرف لكني أردت بصدق أن اتابع كتابة النص دون المرور على تلك المنطقة ، غير ان شعور الخجل ذاته تمكن مني وورطني في الإعتذار لأني ساكتب اليوم ايضا نصا لأجل بهجتي ورغبتي في اللعب .  

وأنا اتحدث مع أبي الذي كان يترقب مثلي أمس إعلان الفائز بنوبل .. سألني في الصباح عن الطريقة التي يتم اختيار الفائز بها قالي لي التقديم ، أخبرته اظن الترشيح لا اعرف .ذكرني بفرحتي يوم أخذها يوسا .. همست له سأفرح هذا العام إن أخذها فيليب روث
، في حديثي مع ابي اليوم تحدثنا عن أدب الصين وقلت له لا اعرف عنه شئ ، حكيت له عن حبي لكاوباتا وكنزابارو وعن ما نقله لي الأدب الياباني عن ذلك العالم وحكيت عن فيليب روث ثم تذكرت رواية " ميراث الخسارة " لكيران ديساي " لحظة ان نطقت باسمها استرجعت البهجة والجمال الذي سكنني وقت قرآتي لروايتها .
الكاتبة الهندية أصغر الحاصلات على البوكر التي رشحت أمها للجائزة ولم تحصل عليها ، فأكملت البنت لعبة الأحلام .
أحب هدايا الحياة ..
عندما عدت لحجرتي للكتابة ، ضبطتني جالسه على الكرسي في وضع يشبه وضع نيكول كيدمان في فيلمي المفضل " الساعات " وهي تؤدي دور فيرجينا وولف .. ابتسمت وانا اراقبني من خارج المشهد كنت أجلس نفس الجلسة وأدخن السيجارة بالطريقة ذاتها ، وكان لعيني نفس نظرة الشرود كنت اقف عند سقف الحجرة في الناحية المقابله لي أتفرج عليّ وأتأمل مشهد كاتبة تكتب في حجرة غير منظمة وتسمع صوت البيانو في أغنية تحبها .
عدت لمكاني وبحثت عن اسم كيران ديساي ووجدت حوارا لها ترجمه طلال فيصل منذ عامين ، وصادف اني لم اقراه من قبل ..
عرفت من الحوار أن ثمة نميمة أدبية في ذلك الوقت حول وجود علاقة بين أورهان باموق وكيراي .. وصف طلال لجمال ديساي كان فاتنا قال " كنت أنتظر رؤية هذه الهندية التي تكتب عنها الصحافة هذا الكلام وأنتظر دخولها قاعة إيوارت ، فلما تجلي جعله دكا ، الجمال - بحسب المفهوم الهيجلي علي الأقل _ نسبي ولكن كيران لها ضوء خاص وجاذبية لا يمكنك تحديد مصدرها لكنك تشعر بوجودها علي أي حال، أستريح في مقعدي وأنصت لكيران وهي تتحدث عن مفهوم الوحدة في الأدب المعاصر وأبدأ أتفهم لماذا حصل أورهان باموق علي جائزة نوبل ، بمجرد أن تبتسم أو تعلق تعليقا ذكيا ساخرا ، بمجرد أن تدخلك كيران ديساي في حضرتها لن تستطيع الخروج ثانية ،"
استمتع بالحوار جدا ويسألها طلال في النهاية قائلا  " سؤالي الأخير طلبا للنصيحة ، هل من الصواب أن يتزوج الروائي من الروائية ؟
بحسب ، لا يوجد كلام مطلق كما أظن أنك تعرف ، محاضرتي اليوم كانت عن الوحدة وربما تكون هذه هي ميزة ارتباط الروائي من روائية ، اثنان يعيشان في وحدة و لكنهما يشتركان في الحياة سويا ولا أعلم إن كانت هذه ميزة أم عيبا ، صدقني لا أعرف.

بعدما قرأت الحوار بحثت عن صور لديساي على جوجل صور وأخترت صورة وضعتها جوار صورة " موبان " .. وحاولت ان اجد جملة أنهي بها قطعة الكتابة لكني لم اجد فعدت من جديد أحدق في صورة ديساي وابتسم .

Wednesday, October 10, 2012

في مديح الخبل









  لم أعتد التفكير كل هذه الأيام في نص ، وحدها الرواية تلفني داخلها مثل موجة ، وحدها أعرف وحدتها وشبقها وشرودها .
النصوص أكثر حياء وأدبا ، تأتي مثل دفقة واحدة .
هذا النص شغلني لثلاث ليال ، أرق فراشي ، وسحبني لكهفه الغامض .
كانت كلماته تدور في ذهني ولا أكتبها لأن كراستي البيضاء – بدون سطور- انتهت منذ فترة ، ولم أمر على مكتبة " فنون " بشارع شريف لشراء غيرها .  
الإنشغالات اليومية والكثير من الكسل فوت عليّ أكثر من فرصة للمرور على المكتبة وشراء كراسة كتابة .
مرتين او ثلاثة أفكر في فتح الحاسوب لأكتب ما افكر فيه ، وما أن افعل حتى ابدء بسماع الموسيقى ، والفرجة على الصور واللعب دون ان اخذل كسلي مرة واحدة وافتح صفحة بيضاء للكتابة .
لاشئ يشجعني على الكتابة ، لا صوت دق الحروف على خلايا عقلي كأنها خربشات ألة كاتبة احلم بإقتناءها ، لم يحرضني شئ  لا الزهو القديم بما أكتب ،  ولا طاقتي الفائضة التي تؤلمني مثل رغبة رجل لا يملك نقود في إغواء عاهرة ، لا شئ يحركني ولا حتى رغبتي في الكتابة .  

في الصباح شعرت ان اليوم يبدو صالحا بما يكفي لأكتب النص .. كعادتي القديمة ملئت المغطس بالماء الساخن ، ووضعت الشمع على حافته .
وتذكرت وأنا ألعب مع الماء أني كتبت مشهد استمتاع بطلاتي بالمغطس كثيرا .. أكثر مما ينبغي لكاتبة مهووسة بالمغطس الممتلئ بالماء الساخن والشاور جيل " خوخ"

في نوبة نرجسية رحت أعدد في ذهني مرات كتابتي تلك ، في روايتي هلاوس مشهد بعينه يشبه الذي أكتبه في ذهني الآن ، وفي كتابي الذي عملت فيه عامين دون جدوى كتبت مشهدا آخر ، وفي الحياة تعرف صديقاتي أني قد استقبل اليوم بحمام قد يمتد لساعتين دون اي اعتبار لمواعيد العمل أو أي شئ .
في مرات كثيرة المح لون الماء يتغير بألوان تشبه حالتي المزاجية كثيرا ما يتحول لأزرق لون البحر، أو بنفسج لون الحزن ، وكثيرا يختلط فيه سواد الحروف .
أحيانا ترتطم رأسي بكلمات كاملة سقطت مني واستقرت هناك في الماء . 


في الحمام تذكرت رواية يوسا " في مديح الخاله" استرجعت في ذاكرتي فصل كامل كتبه يوسا عن طقوس دون ريغوبيرتو في الحمام .. فصل بدأه بجملة أحبها وأحفظها " دخل دون ريغوبيرتو إلى الحمام ، أحكم القفل وتنهد ، وعلى الفور هيمن عليه إحساس من الرضا والإمتنان "
واختتمه بجملة " وأخيرا جفف إبطيه وعطرهما بكولونيا خفيفه جدا ، توحي برائحة البشرة المبللة بالبحر أو بنسمة بحرية تضخمت في مرورها بدفيئة زهور . "إنني كامل" قال ذلك وهو ينظر إلى نفسه في المرأه ، ويشم رائحته ."  

كنت افكر أن الليلة عند عودتي سأكتب النص الذي ينتظر منذ أيام معطلا في عقلي ، حبيسا في روحي .. سأكتب حتما .
لكني عوضا عن العودة من الجريدة للبيت ، حضرت في مركز الإبداع عرض فيلم " سلطة بلدي " .
والحقيقه ان الفيلم أمتعني وأربكني ، وأظن ان الغرض منه لم يكن أكثر من رغبة في الإرباك والتفكير .
يمكنني الآن أن أؤجل تفكيري في – سلطة بلدي- وأن اؤجل تأثري بالعناوين التي قرأتها حول براءة المتورطين في موقعة الجمل .
كثيرا ما تفاجئني هذه الأيام منغصات ، وخيبات تخص السياسية والبشر والأحلام تجعلني أخجل من البوح والكتابة .. تشعرني بالهم ، تورطني وتغرقني فيما احب دائما أن أكون  بعيدة عنه خطوتين او ثلاثة أو عشرة لأتحرك في البراح الذي يخصني وأحتاجه لأكتب واتنفس وأحب وأظل قادرة على الحلم .
يمكنني أن اؤجل المزيد من الهزائم والفقد والحزن وان أكتب .. يمكنني حتى أن اطرد فكرة اني ارغب في تجميع أفلام وودي الآن ، وأمير كوستاريكا .. لأشاهدها كلها في أجازة
 " شهر العسل "..
يمكنني أن اتوقف عن القلق بشان الزفاف ، وتجهيز البيت الجديد ، وإنتقال خاتم الحب من يدي اليمنى ليدي الآخرى .. أؤجل هوسي بالطفلة القادمة ، وشبح إمرأة عجوز مفعمة بالحياة والضحك والسعادة تجلس جوار رجل اختارته في بداية الرحلة لتلعب معه لعبة العمر .
يمكن أن أؤجل كل ذلك الآن وأكتب نصا يطاردني ، أو أنتظر مرة اخرى حتى اشتري كراسة الكتابة من مكتبة فنون . أو افتح صفحة بيضاء رائقه على الحاسوب وأكتب أول جملة لأكسر كل ذلك الكسل وذلك الصمت  .


 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner