Friday, February 05, 2010

البنت التي تمطر


أقتنعت أخيرا بضرورة توقفي عن ذلك النوع من الكتابة ،
الكتابة التي تمس أشياء حقيقية داخلي ، وتشير لشخصيات بعينها
تخدش غموض العالم ، وتحكي قدر طاقتها
أقتنعت بأن التوقف عن هذا النوع من الكتابة الفضائحية المخجلة سيمنحني قدرا من الخصوصية فيما يتعلق بأفكاري الشريرة ، ونزواتي العاطفية ، وانحرافات مزاجي السرية .
صدقت تماما بأن ذلك النوع الكريه من الكتابة لا يفرق كثيرا عن المادة التي يصرح بها عبيط القرية ، ومجذوب المدينة
ليس ثمة إختلافات تذكر
بنطلون بيجامه متسخ له رجل اقصر من الاخرى ، الفانلة التي كانت بيضاء ذات يوم ، جاكيت بلا لون يغطي بعض الجسد
عصا مقشة أو غصن من شجرة أو قلم
القدم حافية عارية لا تتأثر بإنغراسها في التراب أو الاسفلت على حد سواء
عبيط القرية ومجذوب المدينة وأنا نمارس ذات البوح ونفس طريقة الحكي ونرتدي نفس الملابس في تلك اللحظات المباركة .

أقول لنفسي في فترة مقاومة تلك الكتابة – أني سأجرب كتابة القصص القصيرة ، ربما أعد كتابا عن القرود او الحشرات أي شئ يساعدني على تجنب أستعمال البشر والحكايات التي اعرفها .
أي شئ يخلصني من الحوارات العقيمة المشوشة حول الشخصيات التي أكتبها ، والأسرار التي اذيعها عبر ميكرفون الحروف
لن يدقق احد معي بشأن ممارسة قرد صغير للحب مع أخر تحت سرير حجرتي لو كتبت ذلك ، بينما لن يتركني أحد في حالي لو حكيت الحكاية نفسها وكنت طرفا فيها .
التورط في الكتابة .. يفوت عليّ رغبتي في الإختفاء
عندما ابتلع أقراص المهدأ ، وأتكور على بعضي في الفراش واغلق هاتفي المحمول وانوي أن أغيب قليلا عن العالم بكل ما فيه
بالضوضاء التي أحبها ، والصمت الذي يفزعني
برغبتي في التخلص من الحب ، والفراغ الشديد الذي يملئني لأني نجحت في إفساد التعويذة التي أعرفها بشان رجل كان هنا ثم فتحت له الباب وتركته يتسرب كشعاع لضوء لا اعرف مصدره
بخروجه أنتهى الأرق الذي يصنعه الضوء الذي يشتتني
بخروجه صار بإمكاني ان أنعم قليلا بالظلام
الصمت بلا حكايات ، والظلام بلا ذلك الرجل
عالمي بلا ذلك النوع القاس من الكتابات ، براية الهدنة البيضاء التي رفعتها صديقاتي بعد شهور من الإستنزاف
الجلسة الطيبة التي جمعتني بهن ، اهدتني مفتتحا جميلا لروايتي الجديدة التي أكتبها
الرايات البيضاء الاخرى التي ملئت مملكتي
رايتي الأولى واستسلامي للقدر وللحزن وللموت
رايتي الملونة التي تبدو كإشارة سلام ألملم عبرها قطع البازل في لوحتي التي أعلقها على حائظ العالم لحين إشعار أخر

رغبتي في إختراع كتابة جديدة ، ورطني في التوقف عن التفكير فيما أحس
مرر لي الكثير من التشويش والشجن الذي لا تطيقه روحي .
كتابة البوح ، تلك الفضائحية المحببة لنفسي
رغبتي في كرهها ، وعجزي عن فعل ذلك
سعادتي بخلطة الشر والخرافة في أجساد وحكايات من أعرف لم يفسدها حتى رحيلك .
رحيلك الحتمي ... وبقاءي المكتوب
المكتوب كقصة شعبية يثرثر بها مجذوب المدينة
ويقولها عبيط القرية في الأيام الحارة المشمسة ، واكتبها أنا بعدما أطمس بعض ملامحها ، أو أسرسب لها بعض شري ومكائدي وأحزاني
الكتابة المباركة التي اقاومها وتسكنني
أحبها وأسقط في بئر إغوائها وخطيئتها بلا خجل ولا لحظة ندم واحدة .
أسقط الآن مطرا كثيرا يبلل جفاف أوراقي ، ويسمح لنبتة خضراء رقيقه ان تشق الأرض القاسية وتجئ .

4 comments:

هدى said...

اشتقتلك
..

كتير بفكر في الحد الفاصل بين البوح وبين الفضائحية ,, وبتبهرني الكتابة الجيدة التي تسير على الحد الفاصل باتزان مربك

كما كتابتك

..

صباحك فل

SAYED SAAD said...

نهي الصديقة العزيزة

نحتاج كثيرا لأن نكتب ونكت ونكتب وأن نضرب بعرض الحائط أي قيود اجتماعية وأخلاقية نحتاج أن نكسر القيود كلها ونصف ما نريده بمنتهي الدقة من وجهة نظرنا نريد أن يكون ما نكتبة ولو مرة واحده مطابق لما يدور في ازهاننا ، هذا الاحساس المربك الذي ينتاب عقولنا والذي أشبه بحالة التمرد من وجهة نظري هو سلاح زو حدين ويجعلنى أتذكر "أجندة المذكرات" التى كانت تحتوي ادق التفاصيل لشريط حياتنا في فترات معينة وكيف كنا نعامل هذه الأجنده بمنتهي الحرص والدقه حتى لا تقع في ايدي أحد ؛ قيود قديمة لا زالت تطارد اسنان اقلامنا ربما لأننا نهوى الكتابة والتعبير عن افكارنا وافكار من يشاركونا بعضها هو من يضع مثل هذه العقده تحت سن المنشار كما يقال وربما ايضا أننا لا نعيش في المدينة الفاضله لا يمكن أن نعبر بمنتهي الوضوح الذي نرغب فيه الوحيد الذي تحرر من ذلك هو عبيط القرية ومكذوب المدينة لأنه لا يربط حياته بحياة الآخرين وأيضا لا يعني له الآخرين شئ فما أصاب عقله قد حررة من قيود نحن نقع في أسرها وكما يقول أهل القانون "يبقي الوضع كما حو عليه" تارة نتمرد وتاره نستسلم وتبقي هذه هي الحياه نعيش بين طياتها نرصد بعض الاحاسيس على اوراقنا والاخري تدفن في آبار عقولنا .
كوني يا عزيزتي كما أنتى فربما دافع التغير يقسد بعض الأشياء الجميله التي قد تحتاجى إلى دفنها هي الاخري مع أشياء قديمة وجربي أن تكتبي على صفحات عقلك مرة أخرى بعض ما تحتاجي البوح به وخبريني أيهما قررتى أن تمزقيها الف مرة اثناء كتابتك عليها صفحات عقلك أم صفحات أوراقك
كوني بخير
سيد سعد

star in the sky said...

مش عارفة بس نوع الكتابة ده
احسه تلقائى وحلو وفى ناس بتحبه
والدليل ان عبيط القرية او اى حد بيحكى فى ناس بتسمع له اكيد مش مجاملة
بس فى ناس بتحب الاسلوب ده

الاسلوب الللى بيميزك وبتعرفى تكتبى بيه كملى بيه وهتلاقى قراء
وهيسعدك وهتقدرى تتميزى فيه اكتر

عبده البرماوي said...

استمتعت بقراءة العمل وشرفت بتوريطي فى تقديم عملك الثاني فى مشهد كلاكيت تاني مره.. حقيقي رواية - او نوفيلا - لطيفه وشاعرية.. المهم انت لا تدعين بطولة روائية وارجوكي الا تفعلي.. ربما تقيتك بادعاء التواضع الروائي وانك تلعبين ولستي معنيه بتغيير وجه العالم برواية يجعلك تبدعين اكثر وتمنحين الادب نصوصا ارق واعلى احساسا وشجنا.. تعرفين.. لن تجدي اى فرع من فروع المعرفة يتناول الاحساس والشعور بتلك الحميمية غير الادب - حتى علم النفس بقسوته وبروده يعيا عن هذا - المساحة الوحيدة التي يعني فيها بالاحساس هو الفن، وللاسف تسود موجه تسعي لاحالة الادب لهامش على التاريخ او مكلمة فلسفية او محل بديل للرأي السياسي وهكذا، فضاقت مساحة التعبير عن الشعور.. الادب هو تاريخ الفرد، وحده لا يعني كعلم التاريخ بالمجموعات والجماعات والامم، انه معني بالفرد، والاهم انه معني بما يكتنف هذا الفرد من حالات شعورية واحاسيس.. وما تقدمينه يعيد توسيع هذه المساحة، بحكي حلو وبسيط لا يدعي ملئ الفراغ الروائي او قفل منطقة روائية واسلوبية او الاتيان بما لم يأت به الاوائل المتأدبين..

عليكي إن كنت ترين ان منطقة الحكي الذاتي المتمركز حول الاحاسيس والمنطق الخاص لشخوصه لا زالت بكرا وتعطيكي اشباعا وسعادة فاكملي فيها.. ولا يمنعنك عن ذلك قول أحدهم عن ضعف المعمار الروائي او الدرامي او بناء الشخوص وغيرها من أشياء تحيل الأدب لفرع من علم الهندسة فرغم تقديري تظل حيرة الكاتب هى اكثر مساحات الصدقية وقدرته على التدفق غير النمطي واستدعاءه لخيال متجاوز لأطر المنطقي والمعروف والمستساغ هى من المساحات التي تعطي نكهة حلوة لكتابته.. ان هؤلاء المنطقيون والعارفون والأذكياء والواعون ليسوا بشخصيات عظيمة فى الروايات.. الادب يمنحنا طاقة نبصر عبرها تلك الارواح الحائرة والمشاعر المتضاربة تجعلنا نري نزقنا وضعفنا وانهزامنا امام براءتنا الاولى وتفاصيلنا الصغيرة التي نعشقها ونخجل ان نضعها امام العالم بسبب ما قد تعود به علينا من نقد وسخرية.. عالمك واضح فلا تهربي منه لعوالم الاخرين.. فلتظلي علي درب الحكي البسيط والرائق هذا.. وكلي أمل أن يغيب مقدم روايتك للمرة الثالثة مع الرواية القادمة وأكون حاضرا لأقول متعثرا ومحاولا التذكر كلما امكن ان عملك حلو وممتع وبسيط

 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner