Tuesday, October 12, 2010

نداء المجهول

في اخميم- معبد ميريت أمون
لقطة من شرفه حجرتي بسوهاج

منذ سنوات بعيدة قرأت رواية لمحمود تيمور عنوانها " نداء المجهول"
، الرواية كانت تتحدث عن رحلة استكشافيه قام بها عدد من الرجال ، اكتشفوا على إثرها قلعه مختفية عن الأنظار تعيش فيها فتاة وحيدة .. هكذا كانت الأحداث إن لم تخني ذاكرة قراءاتي القديمة .
في نهاية الرحلة يترك البطل أصدقاءه وحياته التي يعرفها ، ويعود للقلعه الغائمة ، ذات البعد الشبحي في الرواية
يعود وهو غير متأكد من شئ غير عدم قدرته على مقاومة نداء العودة الذي تدوي أصداءه في روحه كلها .
في السنوات الكثيرة التالية لقراءتي لهذا العمل ، كان لديّ تقبل كبير لفكرة ان يناديك شئ او شخص أو مكان دون اسباب منطقية ، دون رؤية واضحة ومعرفة لما يناديك .
كنت أقبل تماما فكرة إلحاح رغبة وحالة ونداء . وكنت دائما أستسلم.
لأني فتاة قدرية .. تصدق قلبها وحدثها .

لم يناديني مكان قدر ما يفعل معي متحف أندرسون الملحق ببيت الكريتليه في السيدة زينب.. ذلك المكان قادر تماما على الإستحواذ عليّ مهما كنت مشغولة ومرهقة وبعيدة .
شئ يدفعني للذهاب ، والدخول من البوابة والمشي خلف مرشد البيت ليحكي لي مرة أخرى ما أعرفه جيدا ، ويمر بي على نفس الحكايات .
في المرات الأولى لزيارتي للبيت كنت اشعر بطاقة كبيرة من الأرواح لم أجدها في مكان من قبل ، كانت الأصوات الخافتة كثيرة ومتداخلة .. كانت تملئني بالرهبة ، وتقص لي حكايات لا يعرفها المرشد ولا كتب التاريخ .
وحدهم اصحابها يعرفون .
في المرات الأولى كانت الرهبة تملئني ، عندما أغادر وعندما أشعر بنداء المتحف مرة أخرى ، في النهاية تعودت على تكرار الزيارة وسماع الأصوات التي صارت الآن أكثر تناغما .
في كل مرة اقف امام – الألة الكاتبة التي استخدمها الطبيب أندرسون عندما عاش في مصر ، وافكر أي كتابة سأنجزها لو أستخدمت ألة شبيهه
في كل مرة اقف امام عبارة الحب المكتوبة تحت تمثال كيوبيد الموجود على باب حجرة الطعام وابتسم .
في كل مرة تملئني طاقة البشر الذين عاشوا هناك وعبروا للجانب الآخر من الحياة

كنت احكي كل ذلك
ليس لرغبتي في الحديث عن متحف أندرسون ولكن للحديث عن نداءات المجهول

كنت أحكي عن نداء مجهول آخر جاءني هذه المرة من شابات يسكن قرب نهاية الخريطة ، على بعد 7 ساعات من القاهرة
كنت أحكي لأتحدث عن رحلتي إلى سوهاج في الأسبوع الماضي
المحبة التي تمررها لي زهرة في رسائلها ومحادثتنا الإلكترونية القصيرة ، بعض الكلمات التي تكتبها أسماء من كتابي كراكيب .. الكتابة التي أقرأها لهن في المدونات .. هن ولينا وصديقات صغيرات أخريات
طاقة طيبة تجئ من الصديقات الاتي لا اعرف عنهن اكثر من أنهن يكتبن كتابة محملة بالمشاعر .
الكتابة دوما تشي بأطياف أصحابها ، الحب يخبر عنا ويبقينا.
وأنا صدقت كل ما جاءني من هناك .. حتى دعوة زهرة بالمجئ لسوهاج في يوم من الأيام .. ورغبتي في الجلوس مع هذه الفتاة ، ونداء ملح جدا أن أقابل أسماء واسألها عن طاقة الحزن التي تسرسبها كتابتها وصمتها معا .

تحت وطأة وإلحاح – نداء المجهول – غير المنطقي- سافرت
كل شئ كان يورطني للذهاب
كنت أحتاج لساعات الصمت في قطار الليل لأفكر في أشياء كثيرة عالقه تخص العمل والكتابة والقلب .
كنت أحتاج أن اخرج من داخلي لأرى جيدا ..
كنت خائفة لأني امارس أشياء عادية لأول مرة .. غادرت تحديدا لأتخلص من مخاوفي بشأن الأشياء العادية ، ربما أتخلص يوما من مخاوفي العميقة ، وأحزان العمر .

أسافر وحدي في قطار الليل / أنزل بفندق وأنام وحيدة / أزور فتيات لم أقابلهن من قبل بشكل مادي لكن طاقات الروح كانت تملئني ألفة .
منذ وصولي لهناك ، وأنا اشعر بخفة في الروح – كنت اشعر أني عنوان رواية كونديرا " كائن لا تحتمل خفته"
كنت سعيدة واضحك طوال الوقت .. استند على طاقة من المحبة استنشقها في الهواء ، واكتسبها من الشوارع والنيل وحجرتي
كنت أشعر أني مكتملة كفتاة ولست مكسورة كنصف هلال كما كنت اشعر قبل سفري بسبب اوجاع القلب والحزن .
في سوهاج دعوت لندوة أدبية وقابلت فتيات مختلفات يحملن في ارواحهن الكثير من السحر ، وقابلت شاعر تفيض منه الإنسانية والرقي هو الاستاذ بهاء الدين رمضان.
في سوهاج قابلت أسماء وزهرة وزينب وميادة وحسين
في مقابلتي الأولى معهن لم أكن اشعر بغربة المرة الأولى ، كنت أتحدث واستمع بحماس من غادر أصدقائه وعاد لرؤيتهم .. في أيام قليلة تجولنا في البلد كلها ، جلسنا في كل المقاهي المخصصة للفتيات ، واقتسمنا وجبات طعام وحلوى وحكايات .
ولعبنا لعبة دائرة الساحرات المستديرة واقتسمنا الأمنيات الطيبة ، وشيكولاته بطعم الأمل .
ووقفنا وسط الميدان لنشتري عروسة قطنية بائسة تلوح لي منذ اليوم الأول لوصولي لهناك ، اسمتها زهرة ايلي ، وأحبتها اسماء بشدة ، وفرحت انا لأنها ملئت ساعات الليل في جلستي بالشرفة أمام النهر بغرفتي .
بيت عائلة زهرة مسني حتى النخاع
الطريقه التي دللني بها والدها ، الجولات الرائعه التي قام بها لأجلي في سوهاج وأخميم والكوثر ، كل البهجة والطيبة ..
وفناجين القهوة .
حسين وميادة الثنائي الرائع الذي جاء من أسيوط ليقتسم معنا يوم الرحلة ، الحديث الجميل عن الكتب والكتابة .
والدة زهرة التي قاومت رغبة قاسية في تقبيل يدها لشكرها على ضيافتها لي ، كنت أقابلها وكأني أرى أمي
هي في رقة أمي ، وذكاءها
أحب المرأة التي تلمع عينها بالطيبة والذكاء ، كانت من اجمل ساعات زيارتي لسوهاج تلك التي قضيتها في بيت هذه السيدة التي أنفقت نهارا كاملا لتعد لي أصنافا كثيرة للغداء .. صنعت لي طعاما محملا عن آخره بالمحبة .
الطهي مثل الكتابة يحمل روح صاحبه ويخبر عنها .
كنت أظن اني سافرت لأمرر محبتي وأمرر بعض شعوذات الكتابة ويقين الأمل لهؤلاء الشابات لكن ما حدث أنهن مررن لي قدر ما تسع طاقتي محبة وأخوة وطاقة أمل وجمال .



5 comments:

Anonymous said...

تستحقينها
كن جميلا ترى الكون جميلا

وانت من اجمل من عرفت حقيقة

الحسينى said...

قد تؤثر فينا الأماكن كثيراً ولكن ما يؤثر فينا عميقاً هم أشخاص يحملون أرواح طيبه هنيئاً لك بصحبتك

جمال عبد الرحيم said...

نهى محمود
وجه يبعث على التفاؤل و حب الحياة
أشكرك على كلماتك الرائعة عن سوهاج
التي ولدت بها و عشت بها عمري كله
و لم أعرف أنها بكل هذا الجمال
تحياتي إلى نهى محمود
الإنسانة

ساعه الغروب said...

لازم اعترفلك بان كل بوست بقرأه عندك هنا بحس بعده انى عايزه اكتب واكتب لحد ما اخلص كل الكلام اللى جوايا

بجد انتى ملهمه جدا

ربنا يكتبلك كل خير ويزيد الطاقه والهاله اللى حواليكى فرحه وبهجه
ويسعد قلبك يا رب

تحياااااااااااااااتى

قهوة بالفانيليا - شيماء علي said...

بعض الأماكن و البلاد يتولد بيننا و بينها ارتباط حميمي غريب ..
كأننا سنجد قطعنا الناقصة هناك !!
فلسفتك جيدة :)
أحب كتابتك يا نهى أنتِ رائعة
قلت لك قبل ذلك أنني حلمت بأننا نشرب القهوة معا ..
و سأسعى لتحقيق هذا الحلم عندما أعود إلى مصر :)

 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner