Tuesday, May 17, 2011

الحزن البديل



تقضي اليوم بلا ملابس داخلية ..
تتحرر من الكيلوت في منتصف نومها ، بعض الناس يتحدثون في نومهم ، البعض يمشي ، هي اعتادت أن تنجز بعض المشاوير الصغيرة وسط نومها .. تستيقظ وتذهب للمطبخ تفتح الثلاجة وتضع في فمها " حاجة حلوة " قطعة من الفاكهة .. قضمة ساندوتش تركته هناك على حافة الطبق على المائدة المستديرة التي تجلس عليها لتعد الطعام للطهي
تلوك حبة لوز لتقوية الذاكرة وتشرب الماء ، وتعود للنوم كأنها لم تفعل شئ .
هذه الليلة تحركت في الفراش ، خلعت الكيلوت وعادت للنوم .. بالحماس والإطمئنان ذاته .
في الصباح وهي تتحرك شعرت أنها تجرب شعورا جديدا ، قطعت مسافات أكثر من الحجرة للمطبخ للحمام وباب الشقة ، ثم كررت الحركة نفسها بلا هدف غير الإستمتاع بتجربة ذلك الشعور .

فكرت أن تبحث على الإنترنت عن الحكاية التاريخية لإختراع الملابس الداخلية ، تعرف أن لديها على الأقل مقالين تحتاج لكتابتهما ، وكل منهما يحتاج لبحث طويل ، والكسل مستحوذ على روحها كشيطان .
لكن فكرة البحث عن تاريخ الملابس الداخلية بدى محرضا للعمل .
فكرت حتى أنه يمكنها أن تنشأ جروب على الفيس بوك تطالب فيه بمنع استخدام الملابس الداخلية ، وقفة احتجاجية أمام مجلس الوزراء أو أحد السفارات
أو حتى الدعوة لمسيرة لإفريقيا حيث العودة للطبيعة .

تعرف الآن انها تهذي ، وأن الأخبار السياسية ، وبرامج التوك شو ، وسخافات وبطء التحرك نحو النور ، و جودو الذي ننتظره جميعا
كل ذلك اصاب روحها بالأرق المزمن ، والحزن العام .
تتذكر ساراماجو والعمى الحليبي الذي أغرق فيه العالم .. نحن هنا نغوص في عمى حليبي ، ونتحمل لعنات الفساد والحرية ، والإستعباد بالقسوة ذاتها .

تقرأ أن الجميع شاركوا في الثورة ، حتى مبارك .. فتتسائل متي ستنتهي فقرات السيرك في هذا العالم !

تملأ حقيبتها بغضب لم تجربه من قبل ، وتغادر للأسكنرية
وهي تحمل في قلبها كلمات لورانس داريل في رباعية الأسكندرية " إن الشرق لا يرحب بفوضى الجسد الحلوة، لأنه قد تخطى مشكلة الجسد، إن الأسكندرية تفعل بالحب ما تفعله معصرة النبيذ، وإن الخارج منها إما أن يكون رجلا مريضا أو يعاني الوحدة أو نبيا – أعنى بما اقول كل الذين جرحوا بعمق في قدرتهم الجنسية "
تغادر للأسكندرية لأنها غاضبة ، والكتابة تعاندها ، و داريل يحرضها على زيارة المحراب ، هي تعاني من اعراض المرض والوحدة والنبوة ، وتنزف إثر جرح في صميم انوثتها .

تبقى هناك وحيدة لأنك تقول لنفسك كل صباح أنك لا يمكن ان تقاسمها لحظات مثل تلك ، أنت تحافظ على المسافة الآمنة بينكما
يكفيك دماءها التي تغرق الرصيف الذي تقضيان عنده بعض الوقت، تفكر أن دمها لن يكفي لرسم لوحات ترمز للحداثة في الطريق بين هنا وهناك .


تغادر ، وتعود
ويبقى الحزن عظيما مهيبا .

حزني يغضبك ، والتداعي المستمر لطاقة روحي وخفوت قدرتي على الصمود يغضبك .
وأنا لا أفكر أبدا في تعكير مزاجك .. لكني حزينة ، وانت أخبرتني أنك سئمت هشاشتي السخيفة ، وأن رغبتي فيك طفولية بدرجة تصيبك بالغثيان ، والعناد .

وأنك لا تريد أن أكتب عنك مرة اخرى ، لأني استنزفت كل المفردات ، وأنهيت كل الحكايات .

أنت تتركني وحيدة ، لأنك تحب حريتك
وأنا أحبك ، وأنتظر هدية العام الجديد الذي لا يجئ أبدا لأنه خارج التقويم الذي يتعامل به البشر ، ليس هناك عاما جديدا بتقويم القلوب – حضن طيب مثلك – وأنت تتحول لكائن خرافي ليست له حدود مادية لايمكنه ضم إمرأة متعبة مثلي
لكنه بالكاد يلمس لوحة المفاتيح ، ليكتب عن الحب والبشر

أنا خائفة وأبكي كثيرا ، لأن أصابع شبحية لهيكل عظمي تزور أحلامي ، وتنزع عني محبتي لك ..
أخاف من فقدك ، ولا أحتمل بقاءك في قلبي كل ذلك الوقت دون أن أصرخ من الثقل الذي يملئ فراغات الروح

و لا أجد حلا في عدم قدرتي على طهي المزيد من الوصفات ، لأن الأشباح لا تأكل الطعام .. فأجرب الآن أن ألون جدران البيت البيضاء ، بما تبقى من زجاجة الكاتشب .

أعرف الآن أني أكتب عن حزن آخر ، لأن ما يوجعني أقوى من قدرتي على تدوينة .. أعرف أن الأمر يحمل سطورا بين سطور أرق الكتابة ، والخوف من المستقبل ،و ما يحدث في مصر ، وخوفنا على ضياع الأحلام الوردية التي تلطخت بالدم لترى النهار ، وصوتك الذي يعاقبني على تهمة الحزن .

أعرف انه يخص حزنا آخر يملئني ، ويقصيك بعيدا في دائرة الصمت والظلال .

1 comments:

يا مراكبي said...

الحزن البديل عن إيه تحديداً؟

سؤال يحتاج إلى إجابة

 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner