Saturday, March 15, 2008

فاعل - حمدي ابو جليّل

خائن وعميل *


عربية الأمن المركزي كانت ممتلئة كالأتوبيسات العامة، خمسين طالب لائق وطالب معوق
وطالب ابن ضابط شرطة خرج قبل أن نتحرك، نفس العربية الزرقاء إياها،
وأثناء طلوعي سلمها رأيت طالب معرفة، لم يكن بيننا أي علاقة،
ولكنا صرخنا واحتضنا بعضنا بكل بفرح ولهفة، وتأرجحنا وكدنا نطيح فوق الناس، وقلنا معا " شوفت ..
شوفت اللي حصل " وانفجرنا في الضحك، سيل جارف من الضحك، حاولت أن أتماسك، وحذرت نفسي من ويلات الصفع والركل، ولكن هيهات، ويبدو أننا عديناهم، العربية كلها، ضحك متواصل وضرب على الأكف والأرداف وحتى الأقفية، حتى العساكر ضحكوا، وشحنونا على مديرية أمن بني سويف، والمسافة بين المعهد والمديرية قضيناها في الضحك، ولو رأيتنا في عربية الأمن المركزي لظننت أننا في رحلة أو حتى فرح، وأمرونا بوضع أيدينا فوق رؤوسونا ونزلنا في استقبال مديرية أمن بني سويف، وأوقفونا صفين وأمرونا بالجلوس وربطوا عيوننا .
وأدخلونا اثنين اثنين على شخصية لابد أنها خطيرة، وسمعت صرخات وآهات تنطلق بين فينة وأخرى، وكم ارتعبت عندما سحبني أحدهم، كل خطوة أحس أني أتقدم لحتفي، شىء مهول أن تجر مربوط العينين في مكان كمديرية أمن بني سويف، سرنا مسافة طويلة، قيل لي فيما بعد أنها لا تزيد عن مئة متر، ولكني أراهن أنها تزيد عن الكيلو متر، وكان الحل في الطاعة العمياء، إشعار ساحبي أن تحت يده شخص في منتهى الغلب والمسكنة، ونزلنا سلالم وصعدنا سلام ومشينا في طرق وممرات حتى أحسست أننا دخلنا على ناس، وتخيلت نفسي مربوط العينين وسطهم، وقلت لابد أنهم الشخصيات الغامضة المخيفة التي ربطت عيوننا أساسا حتى لا نراها، وفجأة أحسست باقتراب أنفاس وهمهمة، وكانت يدي مازالت على رأسي فضغطها ومت في جلدي لكن ضحكة جماعية أراحتني، وقال أحدهم ما تخافش، وأضاف بهدوء من يدلي بمعلومات حربية " من الفيوم ، مركز اطسا دانيال، والده متوفي وتعوله امه هو واخوته الاربعة ، ولدين وبنتين ، ومصدر الرزق فدان وحيد تركه والده " وسألني بحنان بالغ " شاركت ليه في المظاهرة يا حمدي " فقلت والله العظيم ما شاركت أنا كنت واقف في المعه .. ولكنه قاطعني " ما تحلفش، إحنا عارفين كل حاجة، إيه رأيك بقى في رئيس الجمهورية " وعلى الفور قلت " والله العظيم ما أعرفة "، ولكني تراجعت بسرعة قصدي قصدي، وعلقت على قصدي، فقال متخافش، إيه اللي تعرفه عنه، فقلت مين حضرتك ؟ فابتسم وقال الرئيس فقلت معرفش حاجة معرفش أي حاجة بشوفو في التفزيون والجرايد بس، وكدت أدعو له بالصحة والعافية ولكني خفت أن يفهمني غلط، فقال " طب إيه رأيك في السيد وزير الداخلية " فقلت إنه " السيد وزير الداخلية " وأعجبتني الإجابة فكررتها "إنه السيد وزير الداخلية " فقال " أنت متهم بالتجمهر وتخريب ممتلكات عامة والتآمر لقب نظام الحكم " وبينما أقول أنني ليس لي في الموضوع وأنني كنت واقف في المعهد .. اندار على زميلي، والحقيقة أن إجاباته أخجلتني من نفسي، كان قويا وشجاعا لدرجة أن الضابط نفسه خاف منه ولم يسأله إلا سؤالين، كلمتين ورد غطاهم :
- ما رأيك في السيد الرئيس ؟
- جبان وعميل ويحق جهاده وقتله على كل مسلم .
- ما رأيك في السيد وزير الداخلية ؟
- نفس الكلام جبان وعميل ورأس الزبانية ويحل قتاله ودمه.
وخرجنا، وحمدت الله على أننى خرجت ماشيا على قدمي، وسحبونا مربوطي العيون على الحجز، والإخوة هتفوا في الحجز، وصوتهم هز أركان مديرية الأمن وبني سويف كلها، والحقيقة أني أعجبت بهم ولكني ركزت في الدعاء ( سمعت احدهم يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال اللهم ارفع عني الضرر وما يمكرون إنك السميع العليم ثلاث مرات لم يصبه مكروه في يومه وليلته ) وأنا قلتها عشرة، عشرات، وأنا أبحث عن مخرج، منقذ من المصيبة التي وضعت نفسي فيها .
لي قريب كان يعمل ضابطا و استشهد في التسعينات برصاص المقاومة الفلسطينية في رفح، وأيامها كان يعمل في تموين بني سويف وسألت عنه العسكري وجاء ولكن ليته ما جاء، بدل ما يطمئنني ويساعدني أرعبني أكتر، بمجرد أن رآني انهال " أيه اللي جابك هنا .. أيه اللي دخلك مع الناس دي..إنت مالك؟", ولكني قاطعته " أنا مش ناقص أسئلة، أنا اتهريت أسئلة، إن كنت هتعمل حاجة اعملها مش هتقدر مع السلامة " فبرطم وانصرف غاضبا ولم أره إلا في سجن بني سويف العمومي .


* جزء من رواية الفاعل
حمدي ابو جلّيل
صدرت عن دار ميريت للنشر
جائتني رواية الفاعل في ايام عصيبة
لم اعرف أن احتفل بها كما كنت أتمنى
لكتابات حمدي ابو جليل في نفسي وقع بهجة العيد الحقيقي ذلك الذي جربنا احساسه ونحن اطفال
وتلاشى كلما تقدمنا في العمر
رواية الفاعل – بسيطة ومدهشة
تسمع في مقاطع منها صوت حمدي ابو جليل وهو يتحدث أو يضحك .. قبل ان يرسم على وجهك ابتسامه ليس بالضروري ان تكون ابتسامه سعادة
حمدي يكتب المأساة التي تضحك من القهر .. ويحول العادية إلى فعل مربك يدعو للتأمل
أحببت الرواية .... أدعوكم لقراءتها

-

10 comments:

محمد صبحى said...

أنا قريتها فعلا مرتين
طبعا صادقة وصادمة
بجد أبو جليل يستاهل التحية مرتين
مرة علشان الرواية نفسها
ومرة علشان الصدق والجرأة اللى فيها

تحياتى ليكى يانهى

fawest said...

نهى العزيزه
فالتعلمى
والتعلمى
وتتاكدى
واعملى ايه حاجه
بس افهمى
ان كاتبك المفضل حمدى ابو جليل
يكتب نتاج
عن تجربه حياتيه قويه
لهذا هو مؤثر و قوى
لقد اثرت فى الروايه حقا و عَلمت فى نفسى

A.SAMIR said...

من الواضح انها فعلا رواية رائعة
ان شاء الله هقرأها
تحياتي

محمد علي said...

أزيك يا نهى عاملة أيه
بجد دايما بتلفتي نظري لحاجات جميلة
الجزء ده لذيذ خالص
بجدعجبني الجزء ده وشدني للرواية
إن شاء الله هاشتريها


تحياتي
محمد علي

سهــى زكــى said...

الفاعل جدا جدا حمدى ابو جليل ، لا تعرف كم استمتعت بقراءة روايتك وللحظ انتهيت منها يوم وفاة محمد ربيع ، فلم تتاح لى الفرصة ان اكتب رأيى فيها بشكل يناسب روعتها

تحياتى لك يا نهى
وللعلم يا طه حمدى ابو جليل هو كاتب مفضل للكثيرين وانا منهم

sally said...

في عدد الاهرام الصادر بتاريخ 17 مارس كتب إبراهيم أصلان عن الكاتب والرواية وهذا مقتطف من مقاله:

ونحن بالطبع سوف نترك كل حديث جدي عن هذا العمل لأصدقائنا من النقاد‏,‏ كل ما نستطيعه هو الإقرار بأن‏(‏ الفاعل‏)‏ رواية ممتعة نسجها صاحبها في لغة خصبة ذات مذاق لايخلو من خصوصية مبهجة‏ .. ‏ وعبر حوالي ثلاثين فصلا قصيرا‏(‏ صفحتان أو ثلاث لكل فصل يمكنك‏,‏ باستثناء الأخير‏,‏ ترتيبها كما شئت‏)‏ يستعرض شخوصا وأحداثا وعلاقات علي خلفية من رمل وطوب وزلط وعقار الهدم والترميم والتنكيس وفواعلية وبوابين ومبيضي محارة‏,‏ ومداخل خلفية وتحتية‏,‏ عالم ربما لم نصادفه روائيا من قبل‏,‏ وأنت تري الراوي وهو يحمل أحلامه ككاتب في شكاير الرمل صعودا وهبوطا معتقدا انها أحلام الأمة كلها

fawest said...

سهى العزيزه
انا معجب به جدا
لكن وانت ست العارفين
و العرافه الكبيرى
ان فى رساله بوصلها
لحد معين

كراكيب نـهـى مـحمود said...

محمد صبحي- انا مبسوطة انك قريتها وعجبتك شكرا لك كل التحية

فاوست- طه العزيز
ماشي يا سيدي الرساله وصلت فهمنا يا عم .. متنساش يوم الخميس بقى
مودتي

a- samir- اتمنى فعلا ان تحصل على نسخة قريبا

العزيز محمد علي - شكرا لك على الزيارة والتعليق واوعدك فعلا باستمتاع برواية الفاعل

سهى زكي- قوليله والنبي
يا طه حمدي ابو جليل كاتب مفضل لجيل بحاله وليا انا طبعا طبعا
والرساله وصلت يا سي طه
سهى من المتحمسين للروياة تقريبا جننتها مش كده يا سوسو محبتي

حبيبتي سالي- قرات مقال اصلان فعلا وسعدت به جدا لانه القى الضوء ايضا على شخصية ابو جليل وانسانيته التي لا تخطئها الروح طبعا شكرا لك واقري الرواية بقى هتعجبك
وحشتيني

أسما عواد said...

ماشي يا نهى يا أم قلب مكركب بالطيبة والحب والجنون
لو ممكن تسليفيهالي عشان أقرأها؟
ازاي ميمي

وللي موش عارف ميمي دي بنتي ليها راس مدورة بس بدل ما يطلع فيها شعر طلع شوك
انا بحب شوكها جدا .. إحنا بنقبل اللي بنحبهم بكل شوكهم
اوعي تشوكك يا نهى انا موصياها عليكي
وعلى أي حال الوخز علامة المحبة خليها تشوكك يعني تحبك من قلبها
باي

أسما عواد said...

ماشي يا نهى يا أم قلب مكركب بالطيبة والحب والجنون
لو ممكن تسليفيهالي عشان أقرأها؟
ازاي ميمي

وللي موش عارف ميمي دي بنتي ليها راس مدورة بس بدل ما يطلع فيها شعر طلع شوك
انا بحب شوكها جدا .. إحنا بنقبل اللي بنحبهم بكل شوكهم
اوعي تشوكك يا نهى انا موصياها عليكي
وعلى أي حال الوخز علامة المحبة خليها تشوكك يعني تحبك من قلبها
باي

 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner