Tuesday, March 17, 2009

لما أرى سيارة بولو خضراء أقول يا اسامة

الكاتب حمدي ابو جليّل
بقلم / حمدي ابو جليّل
جزء من كتاب " الأيام العظيمة البلهاء - يصدر قريبا "
لما أرى سيارة بولو خضراء اقول يا أسامة
لا اقصد طبعا انني اجري وراها وأقول يا سامة ، وإنما اقصد انني أقف وأتوه وأحيانا انفجر في الضحك على مشاويرنا بالبولو الخضراء . كان اسامه يوصلني بها حتى الطالبية ويتركني اواصل المشوار فاجتاز شارع الهرم رايح جي وأقفز فوق الحاجز الحديد ، مرة وقعت ، انطرحت على وجهي ، وأركب عربية بالنفر حتى أدغال الطالبية ، وظللنا سنوات نتعامل مع بعضنا على انها توصيلة محترمة كريمة تستوجب ان أظل أشكر اسامة عليها والوح له ممتنا حتى يتوارى في شارع فيصل حتى ركب معنا صديق حصيف يجاورني في نفس البيت وأفهمني خطأي " يا راجل دا الميكروباص اريح ، دي توصيله دي ؟ " ولكني ظللت سنوات أتحين الفرصة لتوصيلة بالبولو الخضراء ، وظللت سنوات أموت في الانحناء له شكرا وامتنانا واعتزازا حتى يتوارى في شارع فيصل . البولو الخضراء تعتبر نقلة في حياة اسامة ، قبلها كانت معه سيات تعاني من شلل رعاش يشتد عادة في المطالع ، وكان اسامة يعتز بها ، اقصد البولو الخضراء ، ويحس طوال الوقت انه لا يعتني بها العناية اللائقة ، وكنا نستقلها عادة في الليل ، ويا حبذا لو الحادية عشرة وياحبذا لو كنا مساطيل تماما حيث المزاج الطيب والبولو الخضراء وام كلثوم على محطة الاغاني ، ولو كانت اغنية ام كلثوم مش تمام ، يشغل اسامة واحدا من مقتنياته التي يعتز بها ، أحمد البرين مثلا أوعبدالمطلب او شريط نادر لفايزة احمد ظل يفخر به طوال حياته . واحيانا كان اسامه يتكلم ، وعادة ما كان يحكي مفارقات ومواقف تجعلنا ننفجر في الضحك ، وفي كل الاحوال كان يقود بثقة واتزان وأدب جم ، ولكن لو احس باي استهانة او استهتار يمكن ان يدهس دهسا ، ومرة دهس فعلا ، كان يسير في الشارع ووقع في واحد من المصايب الرائجه هذه الايام ، فجأة وهو ماشي في امان الله وجد أمامه في عرض الطريق شابا يتقصع ، وظل يزمر له وهو ولا هنا فتغاظ اسامة ولم يتمالك نفسه ودفس على البنزين في ضهره مباشرة ، والغريب يا اخي انه انكفأ على الارض وطار جري . المرة الوحيدة التي لم نتكلم ولم نستمع للتسجيل في البولو الخضراء كانت الليلة التي بدأ فيها كتابه الأخير " كلبي الهرم كلبي الحبيب " ، نزلنا من " ميريت " في الوقت المثالي ، الحادية عشره بالضبط ، وفي حالة عجيبة من البهجة والانشراح والرضى عن النفس ، وكنت اتمايل طربا مع ام كلثوم " من يوم مسافر حبيبي وانا بداوي جروحي " و فجأة امتدت يد اسامة وأطفات الراديو ، فنظرت اليه فوجدته ساهما أو قل تائها فسكت ، وأحسست انه استراح لصمتى ، وبدا انه مخطوف او مستلب لشئ ما ، نعم يقود البولو بكل ثقة واتزان ، ولكن يبدو انه ينظر لهوة عميقة ولكن دون خوف وانما برهبة وفرح ، وفجأة قال " انا عايز اتكلم ، حاسس بالكلام بيدوم في صدري " وتحسس صدره ، ولا اعرف لماذا تخيلت كلامه على هيئة اشياء أو قل مناطق مضلعة بها بسهول ومرتفعات واغوار سحيقة " أقولك تعالا نقعد على قهوة في فيصل " ، ووجدنا ركنه مريحه وقعدنا على كرسيين بعيدا عن الناس على حافة الشارع ، وبدأ اسامة يحكي جانيا من الايام العظيمة البلهاء ، الايام التي عشتها بعمق شديد، وبمتعة غير عادية، كنت أسعد الناس على وجه الارض، أنا الآن أعلم أني كنت أتفه الناس على وجه الارض، ولكن هذه المعرفة لا تفيدني في شئ .. ليتها تعود هذه الايام

3 comments:

حمدي عابدين said...

تحية أولا واجبة لصاحب هذا التناص الجميل أبو لسان زالف سعيد نوح, أبو رواية كلما رأيت بنتا حلوة أقول يا سعاد, ثانيا هكذا أنت دائما يا حمدي بدوي أصيل, كاتب شديد القدرة علي تحمل الذكريات , ذو خزانة مليئة
بالكائنات السحرية التي لو ظللنا لسنوات نسأل الله نسيمها سوف نبكي لأنه لن يستجيب لنا, يا حمدي أنا أدعو لك الآن أن يثقلك الله بمثل هذه الأرواح حتي تلملمها أو تلملمك, في مثل هذه الكتابة البديعة شديدة الإنسانية.
تحياتي لك ولصاحبة المدونة

إيهاب رضوان said...

ياااااه .. حمدى أبو جليل .. الدنيا فعلا صغيرة بحجم قبضة اليد .. ها هو ذا شيء آخر سيجعلنى أحب مدونتك أكثر فلحمدى أبو جليل منزلة خاصة بقلبى رغم أننا لم نلتق قبلا .. كان سكرتير تحرير الثقافة الجديدة وكنت فى بداية كتاباتى عام 1995 حين راسلت المجلة وكنت أبعث إليهم تقريبا كل أسبوع قصة قصيرة ويبدو أن العزيز حمدى ملّ منى أو ربما أعجب بقصصى كما ادعى فأرسل لى خطابا غاليا قصيرا لا زلت أحتفظ به قائلا إن قصصى كلها أعجبته وسينشرها فى أقرب وقت .. وقد كان فنشر لى قصتين بالفعل( العزف على أوتار مقطوعة ومنوم مغناطيسى ) .. أرجو أن تبلغيه
سلامى لو كنت ترينه وإن كان حتما لن يذكرنى

دخل الشتا

Apapel said...

الله روايه رائعه
اتمنى ان تنشر كامله
انا سافرت ورجعت معاكى
فى داخل كتابات ذلك الرجل
تحياتى

 

كراكيب نهى محمود © 2008. Design By: SkinCorner